الصفحة 26 من 253

فكان طالب الحق يجد نفسه أمام ألوان شتى من التفكير، وبين دعوات تجتذبه من هنا ومن هناك، وإنك لتلمح مدى الحرية العقلية التى تمتع الغزالى بها وهو يصف نفسه في كتابه"المنقذ من الضلال"إذ يقول:"ولم أزل في عنفوان شبابى منذ راهقت البلوغ قبل العشرين، إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار كل طائفة لأميز بين محق ومبطل، ومتسق ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلفا إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديفا معطلا إلا وأتحسس وراءه التنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته".".. وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبى وديدنى من أول أمرى وريعان عمرى غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتى، لا باختيارى وحيلتى، حتى انحلت عنى رابطة التقليد، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، وسمعت الحديث المروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال:"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه". فتحرك باطنى إلى حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات، وفى تمييز الحق منها عن الباطل."فقلت في نفسى أولا: إنما مطلوبى العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هى؟ فظهر لى أن العلم اليقينى هو الذى ينكشف فيه المعلوم انكشافا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت