لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم". والمنهج العلمى البحت، الصارم في ضبط المقدمات ووزن النتائج بموازين الذهب، لا يلقى أشرف من هذه السيرة، ولو وضعت هذه السطور المضيئة أمام المؤلف الفرنسى الكبير لامتلأ قلبه إجلالا لصاحبها. ص _035"
ونحن- حين نخط هذه السطور- نشفق من متاجرين بالحرية العقلية، لا يؤيدونها إلا بمقدار ما تعطى الشبهات حق الحياة، والخطأ حق الانطلاق، والفوضى حق التدمير. فإذا أتاحت لهم الحرية ما يبتغون سدوا على خصومهم أفواه الطرق، ودفعوا بالمجتمع كله صوب ما يعتنقون. وهذه ثمار مرة لا يرى عاقل أن يمهد لها، والأمر يحتاج إلى تفصيل ومحاذرة. ففى ميدان العلم، وفى مجامعه الكبرى، وصفوفه العليا، يمكن أن تدرس النقائص، وتسمع شتى الآراء، وتناقش جهرة دون حرج، ومع تأمين مطلق لذويها. أما أن يستمكن بعض المنحرفين من آذان العامة، ويصبوا فيها ألوان الإغراء، ومنازع الشر، فهذا هدم لا بناء، وخطره على المجتمع شديد، إذ هو سيزلزل القيم التى يتحرك بها، ويوهى الأواصر التى تشد بعضه إلى بعض. ولقد رأيت بعد إنعام النظر واستقراء الأحداث أن الباطل لا يسير في الأرض بقواه الذاتية، وإنما تسيره عوامل الرغبة والرهبة، وتسنده الرشا والسيوف، وعندما تتخلى عنه يتهاوى من تلقاء نفسه. أما الحق فإن تجاوبه مع فطرة الله في النفوس يجعله مقبولا مستحبا، ويقدره على تخطى العقبات واجتياز السدود، أى أن الحق لا يخشى الحرية أبدا، إنما يخشى الحرية العوج والجهل والبغى في الأرض بغير الحق. ومن ثم فنحن مع توفير الحرية التامة في أرجاء المجتمع، نعتقد أن هذه الحرية بما فيها من حرارة ستنضج السنابل النافعة وتقتل الحشرات الضارة. سيأخذ الحق منها جواز مروره إلى الأعقاب على اختلاف الليل والنهار، وسينكمش الباطل في جوها، فإما صعق لفوره، وإما تحرك قليلا ريثما يلقى حتفه. وكم من عوج في الدنيا ما يمسك بقاءه إلا استخفاء هذه الحرية