مع الباحثين عن الحق الدراسات الإنسانية التى ازدهرت في عصرنا هذا جديرة بالحفاوة والتدبر. وكلما اعتمدت على المنطق العقلى، والملاحظة العلمية، شدت إليها انتباهنا، واستقبلنا نتائجها بمزيد من يقظ الحس والفكر، لأنها ستزودنا بحصيلة من الحقائق المحترمة والثمرات الطيبة.. وما تزكو نفس، ولا ترقى جماعة، إلا بمدى ما تحرزه من الحقائق المعنوية والمادية.. وما يشقى الناس، ويضلون، إلا لاستحواذ الأوهام عليهم، وانطلاقهم في الحياة على غير هدى.. ونحن نرجح أن جمهرة البشر تفعل ما تفعل، وتترك ما تترك عن اقتناع شخصى بصحة مسلكها، بل قد ترى أن الصواب هو ما تعرف وتألف، وأن الخطأ هو ما يصنعه الآخرون!. وثم أعذار تكتنف هذه النظرة الخاصة، وتسوغ حيفها في بعض الأحيان.. فإن التدين من أعظم دعائم السلوك الإنسانى، ولكن المرء لا يختار ابتداء الدين الذى يسير وفق تعاليمه!.. إن البيئة التى ولد فيها هى التى تزوده بأركان هذا الدين، وتوثق به مشاعره. ثم ينمو الإنسان- بعد- وينمو عقله وإدراكه لما عنده وعند غيره. وحينئذ يبدأ جهدا عقليا صامتا للمواءمة بين ما ورث، وبين استقلاله الفكرى الواجب!. ويغلب في هذه الأحوال أن يقر ما انحدر إليه عن أسرته وقومه، فلن يعدم فيه جوانب خير تغرى بقبوله واحترامه، ولن يعدم عند الآخرين مظاهر نقص تجعله يصد عنهم، ويرى ما ورثه أحظى بالاستبقاء والرعاية. ص _012