الصفحة 61 من 253

نعم روح وجسد ودنيا وأخره بين الإنسان وأجناس المخلوقات الأخرى وجوه من الشبه والاختلاف عرفها العلماء وبنوا عليها أحكاما شتى. فالإنسان جسم حى وعقل واع، وهو في جسمه يشبه صنوفا من الحيوان الأعجم، وفى عقله يشبه الجن والملائكة، وهما من عالم الغيب الذى يؤمن به المتدينون وحدهم. ومع شبهه المقرر بهذه أو تلك، فهو كائن متميز بخصائصه العليا والدنيا، وله وظيفة انفرد بها وارتبطت بأوصافه المادية والأدبية جميعا. ولا فكاك بين العناصر التى تكون منها الإنسان. فهو يكلف بجملة مواهبه، ويؤديها كذلك بكيانه كله. والعلاقة بين جسمه وروحه وعقله من الامتزاج والتعقيد بحيث يستحيل فصمها إلا بالموت. وقديما فكر بعض الناس أن إهمال الجسد وتجاهل مطالبه، طريق الارتقاء النفسى. وفهموا أن التسامى الحق لا يتم إلا برياضات عنيفة، يستكين بعدها البدن ويسلس زمامه. وقد انتقل هذا التصور إلى كثير من المتحدثين في الدين، حتى ظن أن التقوى منزلة لا يحرزها إلا أعداء أجسامهم، وشاع هذا الظن بين المتدينين الأقدمين، ثم تلاشى تقريبا في هذا العصر المادى الطافح بالرغبات المجابة والغرائز المدللة. والأمر يحتاج إلى قدر من التريث في النظر والحكم. إن المرء لا يستغنى عن بدن صحيح الأعضاء والمشاعر، وأى علة تعتريه فهى نقص قد يكون تافها أو سيئا. ص _072

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت