فهرس الكتاب
والملحوظ أن الإنسان السوى القوى أشد تجاوبا مع الحياة وأقدر على تذوقها، وأداء رسالتها، وإقامة حق الله فيها. كان عبد الله بن عباس إذا طعم شكر الله أن منحه الشهية القابلة، والمعدة الهاضمة، كما يشكره على الغداء الميسور الذى تناوله!!. وصدق عبد الله، فإن الخير المسوق إنما يشعر به من يفيد منه. والجسم المتفتح للحياة له إيحاء ملىء بالتفاؤل والإقبال، ولذلك قال الشاعر: صح جسما فشاقت الأرض عينيه جمال اوفتنة وضياء صح نفسا فشاهت الناس حتى كره الأرض حوله والسماء عجبا للحياة ما سر منها جانب ترتضيه إلا أساء. وكم تضطرب أحكام الإنسان على الأمور، لأن أوجاعا استبدت به وأرهقت أعصابه!. أترى المعرى لو لم يكن مقعودا، ضريرا، كان يسخط على الدنيا هذا السخط، ويترك للناس هذا الأدب الحافل بالتشاؤم والانطواء؟. إننا نرى العافية السابغة نعمة كبرى على الإنسان، ونعد من مرشحات الكمال البشرى خلو الإنسان من الأمراض المنفرة، والعاهات المزرية. بل نعد البدن القدير على أداء الواجبات، لولاية الوظائف الكثيرة. ومن ثم فكل عداء للبدن لا يقوم أصلا على تفكير سليم، وليس له أساس في ديانات الله كلها. إن الله أباح لأنبيائه- وهم صفوة الخلق وأشراف البشر- أن يلبوا حاجات المعدة، وأن يقدموا لها مطالبها من الطعام. فقال:"يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم". وقال موضحا طبيعة هذه الإباحة، وقاطعا لاعتراضها:"وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين". ص _073