فهرس الكتاب
وذلك أنه لما كان يتعذر تمثيل الملاذ الروحانية على وجه تدركه أفهام العامة من الناس ما لم يؤت في وصفها ببعض المحسوسات، اضطر أصحاب أسفار التوراة والإنجيل أن يضربوا للنعيم السماوى أمثلة من أعيان دنيوية. فوصفوا مقام الصديقين بأنه مدينة فاخرة سنية قد بنيت بالذهب والجواهر، وقالوا إن لها اثنى عشر بابا، وأن نهر ماء الحياة يجرى في شوارعها، وأن على جانبيه شجرة الحياة تحمل اثنى عشر نوعا من الثمر، وأن ورقها فيه قوة الشفاء . وكذلك وصف المسيح نعيمهم بأنه ملكوت يأكلون ويشربون فيه على مائدته". ثم قال هذا المعترض."غير أنه ليس في هذه الأوصاف شىء من تلك التخيلات الخليقة بالصبيان التى تراها في وصف جنة"محمد"من الأول إلى الآخر"!!". وهذا فضلا عن أنه ليس فيها أقل إشارة قريبة أو بعيدة تؤذن بأن ثم شيئا من تلك الملاذ الشهوانية المولع بها"محمد". بل إن الأمر بالخلاف. إذ قيل لنا بصريح العبارة أنهم في الآخرة لا يزوجون ولا يتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء". ونحن نتجاوز العبارات السفيهة التى تناول بها المؤلف الرسول الكريم. ونلقى نظرة على النصوص التى نقلها من كتبه.. إن العبارة التى ذكرها متى في إنجيله عن تحول البشر إلى ملائكة لا نفهمها نحن إلا على أنهم يتحولون إلى عباد طيعين، يلهمون التسبيح والتحميد، ولا يعصون الله قليلا أو كثيرا. وهذا المؤلف بين أمرين: إما أنه لم يفهم دينه كما يجب!، وإما أنه يحكم عليه بالاشتمال على المتناقضات الظاهرة. إن النصوص التى نقلها عن كتبه تعترف بالجزاء المادى دون مواربة. وإذا كان ما يقوله حقا من أن ذلك كله تمثيل وتخييل فمن حقنا أن نسأل: هل الملائكية المزعومة للبشر تتحقق فقط بالبعد عن النساء، ولا يضيرها التهام ما شاءوا من طعام وشراب؟. ص _076"