فهرس الكتاب
وعلى سناها انطلق العقل الإسلامى الأول انطلاقته البعيدة المدى، فجدد ونقى التراث الأول للإنسانية، ومهد وأعان على خلق حركة الإحياء في الغرب. بيد أننا نلحظ أنه- من عدة قرون- كبا هذا العقل كبوة خطيرة، كما نلحظ أن جماهير المسلمين قد أصابتها لوثات وعلل أزرت بقدرتها الفكرية، وحكمها على الأشياء. ومن تأملى في نفسى، وفى نفوس المؤمنين حولى، أسجل الحقائق الآتية حتى يعرف بالضبط مدى قربنا أو بعدنا من الإسلام ومنطقه ومنهجه: تضمن الإسلام- كما تضمن غيره من الديانات السماوية- حديثا عن عوالم أخرى غير محسوسة، وهو حديث محدد البدايات والنهايات، فهناك ملائكة لشئون الحياة والموت، وهناك جن مكلفون مثلنا بالإيمان والصلاة ، فيهم الفاسد والطيب. وعلمنا بهذه الأجناس قاصر، والمصدر الأول لإثباتها هو الدين، والنصوص الدالة على وجودها لا يمكن نفيها. وقد وردت بأوصافها آيات قاطعة، كما جاءت أحاديث آحاد ببعض أعمالها وأحوالها، وهذه الأحاديث تفيد الظن العلمى، وهو ظن يقوى ويضعف حسب درجة ثبوتها وقبولها. غير أن الخياليين والخرافيين من النالس وسعوا دائرة الكلام في هذه العوالم المغيبة، وأقحموها في شئون مادية كثيرة، ونسبوا إليها من التصرفات والآثار ما يبرأ منه الدين، وما شردت به الحياة العادية. والمسلم يلتزم ما ورد فحسب، وهو لن يخالف معلوما من الدين بالضرورة، ولكن من حقه تكذيب الأخبار التى يقصها الواهمون، كما أن من حقه حراسة الحقائق المادية والدينية من شغب المنحرفين. روى أن مالك بن أنس سئل: أيتزوج الإنس من الجنية؟ ورد مالك: يجوز- هكذا حكوا- ثم سئل: أيتزوج الجنى من الإنسية؟ فقال مالك: لا!.. لماذا؟ مع أن الحالين سواء!. قالوا: خشى مالك أن تزل أى امرأة ثم تزعم أنها تزوجت من عالم الغيب!! فحرس حدود الشرع والخلق بهذا النفى القاطع.. ص _081