فهرس الكتاب
وإذا كان الإمام الكبير قد صان الدين بنفى الشطر الأخير من السؤال فنحن اليوم نصون الدين والعقل بنفى كل ما يشيع بين العوام من ترهات في هذه المجالات، فاستحضار الجان- وهو ما يسمى في عصرنا بتحضير الأرواح- شغل بباطل. وتصديق السحر والشعوذة وخلط المعارف الطبية بأعمال الشياطين الخفية، لا صلة له بالدين. ويتصل بذلك حساب الجمل، والطوالع. والغريب أن بعض المفسرين والمؤرخين ينساق مع البله في هذا التيار، وسائر المزاعم التى تؤكد صلة ما بين بعض الناس، وبعض الجن أو الملائكة، لا حرمة لها قط. فإن السمعيات لا مصدر لها إلا الكتاب والسنة، أما أخبار الناس فليست مصدر علم، بل كثيرا ما تكون محور أساطير.. ولا ضير على من يكذبها ويقيم فهم الناس لشئون الحياة على الواقع المحسوس وحده. وقد كان صحابة الرسول في معايشهم وعلاقاتهم نماذج لنضج التفكير وسلامة الحواس، ودقة الأحكام. ولم تتلوث الحياة الاجتماعية في العالم الإسلامى بهذه الأوهام إلا في عصور التخلف وغفلة الفقهاء.. ومما يؤخذ على المسلمين في الأعصار المتأخرة خلطهم بين عالم الغيب وعالم الشهادة. إن العالم الأول غامض الصورة مبهم المعالم لا تعرف من حقائقه إلا القليل الذى عرفنا به الشارع لحكمة قصد إليها. أما العالم الذى نعيش فيه فهو واضح الصورة بين المعالم. لعناصره خصائص ثابتة وللعلاقة بين بعضها والبعض الآخر قوانين محكمة.. غير أن بعض المتدينين يلبس هذا بذاك فلا تتماسك في ذهنه صورة دقيقة للحياة وسننها، بل تتحول المادة وصفاتها وقوانينها إلى سائل رجراج يتساوى فيه الممكن والمستحيل.. ص _082