فهرس الكتاب
فظنوا الصورة هدفا مقصودا لذاته، وألفوا أداء العبادات وأفكارهم ذاهلة وعقولهم شاردة وضبطهم للحقائق مضطرب مائع.. فزاغت في الحياة وجهتهم، وغامت سيرتهم، وملك زمامهم هوى لم يقمع، وجماح لم يكبح. حتى أن بعض المفتونين ساءت ظنونهم بالعبادات وآثارها، لما رأوه من البلادة النفسية والفكرية عند هؤلاء المتعبدين البله. وإنه لثقل على صدر الحياة أن يوجد جيل من الناس لا يعى أن الكون محكوم بقوانين دقيقة، ولا يدرى أن العقل اليقظ هو الوسيلة الفذة لمعرفة الله، عن طريق تأمل ملكوته وتدبر وحيه وإنفاذ وصاياه، وإعلاء كلماته.. إن الدين يتضمن جانبا من الإيمان بالغيب، وهو كذلك يتضمن جوانب من عالم الحس والحركة، والجانب الأول ينظم الجوانب الأخرى ويساندها ولا يحيف عليها أو يشرد بها. ومن ثم قلنا: إن الإيمان بالغيب ليس إيمانا بالوهم ولا إنذارا بالفوضى. وأفعال المسلمين التى تنافى ذلك شىء غير الإسلام الذى يقوم على احترام العقل ونبذ التخامين والأحداس، وعلى إعظام الكون ولفت النظر إلى ما في بنائه من روعة وجلال... وعلى إيقاظ الضمير وجعله مهيمنا على الحركات والسكنات.. إن أبعد الناس عن الإسلام رجل بصره في مواطىء قدميه. وهمته لا تعدو ملء بطنه وكسوة بدنه... وصلته بالدين تنشأ عن وجل بما يدرى، أو اقتناع غامض بما يقال. ص _089