فهرس الكتاب
الهجرة إيمان بالمستقبل وثقة في الغيب نحن في عالم يسوده المنطق المادى، ويعد المحسوسات وما يتصل بها هى الوجود الذى لا وجود وراءه!.. وجمهرة البشر أخذت تستكين لهذا التفكير، وتبنى عليه سلوكها في الحياة، وفرحها أو حزنها لما يصيبها من نعماء وبأساء!.. نعم، إنها تحت تأثير الدين تؤمن بما وراء المادة، وتأوى إلى هذا الإيمان في الساعات العصيبة.. بيد أن لغوب الناس على ظهر الأرض، وكدحهم لتحصيل ما يريدون، إنما يثور غباره وراء ضرورات العيش ومرفهاته- أما الدار الآخرة وما يمهد لها، فأمر قلما يخطر على البال، وإذا خطر فقلما يقترن بالشعور الجياش، والفكر المستغرق، والعزم الحديد!.. وحقيقة الدين تنافى هذا المسلك الخامل، فإن الإيمان بالغيب قسيم للإيمان الحاضر. ولا يصح تدين ما إلا إذا كان المرء مشدود الأواصر إلى ما عند الله، مثلما يتعلق بما يرى ويسمع في هذه الدنيا.. والغيب الذى أقصده هنا أوسع دائرة من عالم الملائكة مثلا، أو مشاهد الجزاء الأخروى، أو المرويات التى أنبأنا الوحى بها ولا نستطيع الوصول إليها بمداركنا.. الغيب الذى أقصده هنا ما يتصل بالسلوك الإنسانى المأنوس لنا، أى ما ننبعث عنه في كفاحنا القريب لبلوغ ما نحب وإقصاء ما نكره!!. إن النصر على الأعداء كيب، وخصوصتا إذا وهنت الوسيلة، وقل العون، وفدحت العوائق. ولكن الإيمان بهذا النصر المأمول ينبع من الإيمان بالله جل شأنه ومن ثم فالمجاهد الموقن يمضى في طريق الكفاح المر، وهو واثق من النتيجة الأخيرة!.. ص _090