فهرس الكتاب
إن غيره يستبعدها، أو يرتاب فيها.. أما هو فمعتقد أن اختلاف الليل والنهار يقربه منها وإن طال المدى. فإذا قال الله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ، فإن الجماعة المؤمنة لا تهولها وعثاء الطريق، وضراوة الخصوم. وكآبة الحاضر.. إن إيمانها بالمستقبل يعزيها عن متاعب اليوم، ويشعرها بأنها غيبة عارضة توشك أن تقشع (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) والرزق- مثل النصر- غيب مرتقب. وعندما ينفق المؤمن ما عنده على أمل أن الله باعث خلفا له وعوضا عنه، فهو يسير على منطق اليقين المحض. ومن هنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لبلال!- لما ادخر له صبرا من طعام:"أنفق يا بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالا". ولماذا يخشى الإقلال وقد وعد الله أن يخلف على من أنفق؟ ووعده منجز لا ريب إن هذا الإيمان بما عند الله هو الذى يرجح عند المؤمن جانب العطاء عندما توسوس له نفسه بالإمساك والمنع، وخصوصا مع التأميل في الحياة، والرغبة في سعة الثراء، والقلق من أحداث الزمان!.. ولذلك جاء في الحديث:"أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تحب الغنى وتخشى الفقر"والإيمان العميق يجعل المرء كما وصف الرسول الكريم:"أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك". كان المسلمون قبل الهجرة يملكون أنصبة وافرة من الإيمان بالمستقبل. يعتقدون معها أن دينهم لن يغلب- وإن ضعف اليوم حملته- ويؤدون فرائض الجهاد والبذل وهم راضون عن ربهم، راجون ما عنده. ص _091