فهرس الكتاب
ومع الإنصاف وبعد النظر لا يزعم رجل في هذه الميادين أنه أحق بغيره من الحياة، وأنه يغنى كل الغناء عندما يزول سواه. نعم، للقوانين مثلا مكانها الوطيد في المجتمع، ولكن هل معنى ذلك أن الدنيا تستغنى عن الوعظ والتربية؟. وفى ميدان القانون قد يشتجر عالمان على صياغة عبارة، وقد يختلفان في بقاء أو حذف حرف من حروف الجر... وذلك بديهى في ميدان تضبط فيه الحقوق وتحرس الدماء ويفصل في الخصومات. فهل معنى ذلك أن المجالات القائمة على المعنويات المحضة وملاحظة النفس الإنسانية تفقد قيمتها؟. كلا!... إن عالمنا الحاضر تجاوز فيه الباحثون عن أسرار الفضاء إلى الباحثين عن المعادن في أغوار الأرض، وتجاوز فيه قول الشعر إلى تفتيت الذرة.. والحياة تسع الأدبى والعلمى لتلك الفئات كلها!. (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات …) والدراسات العلمية عندنا يجب أن تنسق ذات بينها حتى تستأنف كفاحها النبيل لخدمة الإسلام وإبلاع رسالته، ولا معنى لخصومة بين فرع وفرع، وميدان وميدان. غير أننا لاحظنا آسفين أن الفقهاء والمفتين اشتبكوا في منازعات حادة مع المتصوفة والعباد، وأن كلا الفريقين تجهم للآخر ولم يستفد مما عنده. وكانت نهاية القطيعة بين الفريقين أن وجدنا فقفا لا روح فيه، وفقهاء لهم سمت الدين وليس لهم قلبه الحانى الطيب. وإن وجدنا تصوفا لا دراية له، ومتعبدين تحفل سيرتهم بالخرافات والبدع... وفى العصر الأخير كادت علوم الدين تنقطع علاقاتها بالكتاب والسنة إلا بقايا من النظر الكليل والتطبيق القليل. والأمر يتطلب عودا سريعا إلى هذه ا لأصول واستمدادا مباشرا منها.. ص _099