الصفحة 89 من 253

قد تقول: إن هذا التصوير غير دقيق، وأنك واهم حين تتهم علماء الكلام والفقه بأنهم قصروا في ميدان التربية وغرس التقوى والأنس بالله في نفوس الناس، وأن هذا الفراغ المتروك هو الذى ملأه المتصوفة.. وأرى أن الموضوع يحتاج إلى مزيد إيضاح. إن علماءنا الأوائل كانوا يجمعون بين سعة العلم وصدق الصلة بالله، والأجيال التى استمعت إليهم كانت تفيد منهم الأمرين معا. نضارة القلب المتجه إلى الله. وإشراق الفقه الذى يضىء الطريق إليه.. فهم علماء ومربون في وقت واحد.. وإنى لأرمق بإجلال وحب رجلا مثل البخارى بدأ كتابه الصحيح بحديث:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وختمه بحديث:"كلمتان خفيفتان على اللسان، سبحان الله العظيم". كان وجه الله هدفه أول سطر خطه. وكان وجه الله أمله وحمده وتنزيهه شغل آخر سطر خطه. وبين البداية والنهاية أودع الرجل علمه الغزير وحفظه الكثير.. والبخارى معروف بأنه من علماء السنة، بيد أنى أظلم الرجل وأشباهه من الأئمة حين أجعلهم علماء متخصصين في فرع واحد من علوم الشريعة على النحو الذى اصطلح عليه الأخلاف. فالبخارى- في نظرى- عالم بالإسلام كله. من تفسير وحديث وفقه وعقيدة وسير ة...الخ. والميزة التى غلبت عليه وشهر بها لا تدل إلا على تفوق فقط في هذه الوجهة من الدراسة أو على عناية بها فرضتها الظروف المحيطة. ومثل ذلك يقال في الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة ونظائرهم. فعمر حاكم وواعظ ومرب وفقيه وليس رجلا سياسيا فحسب.. وأبو حنيفة فقيه وسياسى وداعية إلى الله، وليس رجل دراسة فقهية فقط... واستقاء هؤلاء المباشر من الكتاب والسنة جعلهم يتركون فيمن حولهم جملة ص _100

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت