الصفحة 91 من 253

والنزاع الذى نشب قديما بين خصوم التصوف وأصدقائه لا يتصل بما نحن فيه، إنه كان نزاعا على قيمة بعض التصرفات والأقوال التى يجب أن تخضع للمقررات الاسلامية. وإنى أعترف بأنى حسنت صلتى بالله كثيرا على أثر كلمات قرأتها لـ"الغزالى"و"ابن الجوزى"، و"ابن تيمية"و"ابن القيم"، و"ابن عطاء الله السكندرف"، مع ما بين أولئك جميعا من تفاوت المشرب واختلاف النظرة... وقد نستطيع التعرض لما تفاوتت فيه أحكامهم، لكن ما أؤكده هنا هو أن المعنى الذى شرحناه آنفا قدر مشترك لدى الجميع، وأننا في هذه الأيام بحاجة إلى تجديده وتجليته.. إنه معنى يشع من الكتاب والسنة أولا وآخرا، ويجعل عالم الإيمان براقا بالحب. مزدانا بمعية الله في الغدو والآصال. إن الناس في عصرنا هذا فتنتهم الحياة وضراوتها العاجلة، وتعلقوا بها تعلقا سد عليهم منافذ النظر إلى كل شىء آخر أسمى وأخلد. وليس في هذا ما يدهش، فإن الله أخبرنا في كتابه أنه هكذا خلق الناس، وأن امتحانهم لإحراز الكمال أساسه تهذيب هذه الطبيعة وامتلاك زمامها، لا الاستسلام لها والانقياد لأهوائها: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) لكن الذى يروع في عالم اليوم أن العقل البشرى تقدم تقدما ساحرا في الميدان العلمى والصناعى، تقدما أثار في الإنسان الزهو والغرور. وفى الوقت الذى ظفر فيه العقل، وطوى المراحل الشاسعة، بقيت الخصائص الإنسانية الأخرى جامدة كما كانت في بدء الخليقة. فالحقد القاتل في قلب ابن آدم نحو أخيه الطيب بقى كما هو مشتعل الأثرة غبى الوجهة. أما الجهل القديم بطريقة مواراة الجثة فقد تحول إلى ذكاء وخبرة.. ص _102

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت