الصفحة 94 من 253

ومن الآفات الملحوظة في ميدان التدين أن تقترن العبادة بالجهل، أو بنقص المعرفة وضيق الأفق. وهذا الفريق من العباد القاصرين تنتشر بينه البدع والخرافات، ويتسم غالبا بالإخلاص الطائش والحماسة الرعناء.. وربما كان أنقى قلبا وأسلم عقبى! لكن الأمية لا يصلح بها دين ولا ينجح بها علاج هؤلاء مزيد من المعرفة، وتفتيق الذهن، وتوسيع منادح النظر. أما الآفة التى أزرت بالدين وأهله من قديم، فهى أن يكون المرء على حظ حسن من الدراسات النظرية، وأن يكون مستوعبا لنصوص وقضايا دينية كثيرة، جيد الشرح لها، والإبانة عنها.. حتى إذا محض بالتكليف الشاق أو المعاملة الجادة تكشف عن إنسان آخر لا فقه له ولا وعى عنده. فهو كما قال المعرى: سبح، وصل، وطف بمكة زائرا جهل الديانة من إذا عرضت له.. سبعين، لا سبعا، فلست بناسك أهواؤه لم يلف بالمتماسك!.. وللمرحوم أحمد أمين وصف كاشف لهذه الآفة، وقيمة أصحابها، وكيف يخلصون منها. كتبه من ربع قرن، وكأنما كتبه الآن.. يقول:"من عجيب الأمر أن كل شىء في الوجود يعمل وفق طبيعته، ويوافق بين ظاهره وباطنه، وتصدر أعماله منسجمة مع خلقته، ويعبر دائما عن جبلته، سواء في ذلك الجماد والنبات والحيوان، إلا الإنسان، فإنه هو الذى يستطيع أن يخدع، وأن يظهر على غير طبيعته، وأن يقول غير ما يعتقد، وأن يفعل غير ما يقول". الحجر والحديد والرصاص كل منها يعبر عن طبيعته، وهو يعبر عنها دائما في صدق. وأشجار الورد والتفاح والحنظل تعبر عن طبيعتها في صدق دائما، وتنتج ثمارها من جنس طبيعتها دائما، ولا تخرج شجرة التفاح حنظلا يوما ما. والفرس والجمل والبقر تعبر عن طبيعتها في صدق دائما، فإذا أبدت رغبة في الأكل أو الشبع، أو نحو ذلك، فهذا حق لا مرية فيه. ص _105

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت