الصفحة 95 من 253

أما الإنسان فلا يعبر عن حقيقته دائما، فقد يعبر عن جوعه وهو متخم، وعن حبه وهو كاره، وعن إخلاصه وهو يخفى الإجرام، وعن حبه للشيوعية والاشتراكية وهو رأسمالى جشع. فكل شىء هو نفسه إلا الإنسان، فكثيرا ما يكون غير نفسه، حتى قال كاتب ظريف:"إن اللغة لم تخترع للتعبير عن النفس، ولكن لإخفاء ما في النفس، والتمويه على الناس حتى لا يدركوا حقيقة ما في النفس".".. ومما يؤسف أن الإنسان كلما كان أذكى وأمهر وألبق كان أبعد عن أن يعبر عن نفسه، وعن أن يكون هو نفسه، وكلما كان أقرب إلى الغفلة والسذاجة كان أقرب إلى أن يكون هو نفسه وأن يعبر عما في نفسه. ليست قيمة الإنسان فيما يصل إليه من حقائق وما يهتدى إليه من أفكار سامية، ولكن في أن تكون الأفكار السامية هى نفسه، وهى عمله، وهى حياته الخارجية كما أنها حياته الداخلية. فقد يكون الإنسان فيلسوفا كبيرا وهو- في الوقت عينه- نذل خسيس حقير، كالذى روى لنا عن"بيكون"الفيلسوف الإنكليزى الكبير. وقد يحدثك الرجل عن أضرار الخمر والقمار. فيمتعك بحديثه ويصف لك ذلك أجمل وصف وأدقه وهو، مع ذلك، سكير مقامر، لأنه في أفكاره غيره في أعماقه، وبعبارة أخرى هو لا يحقق نفسه ولا يعبر عن نفسه. فالفكر بلا عمل مناقشات بيزنطية، أو بحوث جامعية، أو ألعاب بهلوانية، إنما قوة الفكرة وأحقيتها بتحويلها إلى عمل ووضعها موضع التجربة. وإذا اعتقدها الإنسان، فمعناه أن يعمل بها، وإذا دعا إليها، فمعناه أنه جربها في نفسه وبنفسه فوجدها صالحة، وما عدا ذلك فشقشقة ألفاظ، وملء مجالس، وإظهار تظرف، ومباهاة بالقوة العقلية، أو القدرة الجدلية، ومقدمة بلا نتيجة!!. إن عيب المبادئ السامية"كحقوق الإنسان"و"عصبة الأمم"و"ميثاق الأطلسى"و"حماية الأقليات"و"وحقوق ا لأم الصغيرة"و"العدالة الاجتماعية"ونحو ذلك، أنها أفكار لم ترتبط بالعمل، ولم تعبر عن حقيقة نفس قائليها، وإن عبرت فلم تعبر عن نفس من يملكون"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت