فهرس الكتاب
حقيقة وشريعة جلست يوما أختتم الصلاة وأردد الألفاظ المائة المأثورة، ومتدبرا ما تدل عليه من تسبيح وتحميد وتكبير، بيد أن الشيطان سرق فكرى دون أن أدرى فإذا أنا أسرح في إحدى القضايا أستعرض أحداثها وأتتبع مراحلها وأتوجس من نتائجها!. وغصت في أعماق القضية العارضة حتى ارتطمت بقاعها، ولسانى يحصى آخر الكلمات المائة التى تعقب الصلوات المكتوبة، لتكون ذكرا بعد ذكر وتحية بعد تحية!!. وشعرت بتناقض بين حالى ومقالى، وساءلنى ضميرى: أكنت حقا تذكر ربك، وتسبحه، و تحمده، وتكبره؟. ولم يكن للكذب مجال، لقد كان فؤادى في واد آخر، وإن كان لسانى يردد ما تعوده من كلمات.. لقد كنت حاضرا كغائب، أو غائبا كحاضر، وما أستطيع الزعم بأنى فيما همهمت كنت من الذاكرين!!. إن البون بعيد جدا بين الكلمات التى ننطق بها، وبين معناها المصاحب لها، المخبوء تحت حروفها.. لو كانت إدارة الألفاظ على الشفتين تثبت معانيها للفور كما تدير أزرار الكهرباء فتسطع المصابيح للنور، لكنا في حال غير الحال، ووضع غير الوضع! ولكن المسافة شاسعة بين الكلمات ودلالتها الملاصقة. وكم فينا من ببغاوات تجرى على أفواههم كلمات جليلة، فإذا ذهبت تلتمس حقائقها في نفوس القائلين، وجدت الفراغ أو وجدت النقيض. والمؤسف أن أغلب معاملتنا لفه يسيل من هذه العين الحمئة!!. ص _108