فهرس الكتاب
إن أسوأ ما يعترى الفرائض المكتوبة والعبادات الرتيبة أن يؤديها المكلفون وهم في شبه غيبوبة، لا تلاحق عقولهم معانيها، ولا تحصل نفوسهم حكمتها.. ويقول علماء النفس: إن درجات الحس تتفاوت عند مباشرة المرء لشتى الأعمال، فقد يقع الإحساس في بؤرة الشعور، وذلك في حالات الانتباه الكامل، وقد يهبط الوعى إلى حاشية الشعور عند ملاحظة أمور مألوفة. وهناك منطقة شبه الشعور التى تصحب القيام بأعمال معتادة، وأظن بعض الدواب تشارك البشر في هذه الحالة، فهى إذا دربت على أشغال معينة أدتها بدقة- دون وعى طبعا. والتكاليف الدينية يوم تؤدى على أنها عادات مجردة، ليس معها الصحو العقلى المطلوب تصبح إلى الأدواء أقرب منها إلى الأدوية.. بل إن الكفار الصاحين الإيقاظ إذا التقوا شى ميادين الحياة بعابدين من هذا النوع المخدر الغافى سرعان ما يسبقونهم سبقا بعيدا ويغلبونهم غلبا أكيدا.. إن الله شرع الدين موضوعا وشكلا، معنى ولفظا، يقظة نفسية، وحركة بدنية، فمن أخذ الظاهر من هذا كله وترك الباطن فهو يعبث بالدين، ويتخذه لعبا ولهوا.. ويحسن أن نفرق هنا بين عدة أحوال، فإن المؤمن الجاد الصادق عندما يشرع في نسك، يقبل على الله معقود العزم حسن القصد.. وربما اختلس الشيطان شيئا أو أشياء من عبادته، فهو يحزن لذلك ويتعلم الحرص والحذر، ومراتب المؤمنين في مدافعة هذه الغارات لا حصر لها.. وخيرهم من تنجح مجاهداته في صيانة عمله جوهرًا ومظهرا، وأعجزهم من استغفله الشيطان فشتت لبه في متاهات ليس لها آخر كلما تقرب إلى الله بعمل.. ولا بد من استبعاد النيات الملتاثة في هذا المجال.. إننى أحيانا أسمع الأغنية الدينية تصف مناسك الحج أو تعرض حياة الرسول، فيمتلئ قلبى بالرقة والضراعة.. ثم أستحضر سيرة المغنى والملحن والعازفين فأحس فجوة رهيبة بين جلالى ما يقال وفساد من يقول.. إن الفرق الماهرة في أداء هذه الألحان الدينية هى هى تستفز الشهوات الساكنة وتزين مزالق