والذين أوَّلُوا ما دلت عليه الأسماء من وصف ، وقالوا بالمجاز فإنما هو بقاء لأثر الاعتزال وما تلقفوه إلا من أهله لما حاولوا كسرهم بعقولهم فألجئوهم إلي نفي الصفات ولو اعتصموا بكلام السلف - رضي الله عنه - لما أصابهم ما أصابهم فلله الأمر من قبل ومن بعد ، فها هم هؤلاء الذين لُقبوا بـ ( متكلمة الإسلام ) و نسبوا زورًا إلى (أهل السنة والجماعة ) ، وأهل السنة و الجماعة أبعد ما يكون مما يقول هؤلاء ، لأنهم عطلوا الصفة بلوازم ما أنزل الله بها من سلطان فقالوا: ما ( الرحمة ) إلا رقة وانعطاف وتحرق وانفعال نفساني (1) ، وهذا ربما يصح في وصف المخلوقين ولكن كيف برب العالمين ؟!
فالرحمة رحمة لا تحتاج إلى تحكم رأي فاسد ، أو تسلط فكر آسن ، هي ما يستشعره العبد ويجده في قلبه ووجدانه ، يحس بها تحوطه وترعاه فما من رحمة في الأرض أو السماء إلا أثر من آثار رحمة أرحم الراحمين ،فالمؤمن الموحد حين يثبت صفة الرحمة لله - عز وجل - يثبت معها المعاني الثابتة في هذه الصفة ،فصفة الرحمة يقال: الرحمة هي: العطف و الرقة و ميلان القلب .
هذا تعريف للرحمة ، لكن أليس فيه ما يكون إثباتًا لمعنى صفة الرحمة لله تعالى ؟
أي: صفة الرحمة لله تعالى هي: عطفه ، و تحننه على خلقه .
بهذا المعنى أتيت بأمرين:
أولهما: إثبات معنى للصفة معروف عند العرب .
ثانيهما: أثبت المعنى اللائق بالله تعالى .
لذا يقول ابن القيم ' في نونيته:
حي مريد قادر متكلم ... ذو رحمة وإرادة وحنان
(1) ممن ذكر هذا الغزالي في المقصد و الرازي في اللوامع و القرطبي في الاسنى وابن بطال وابن التين كما نقل الحافظ وتبعهم على ذلك من أتي بعدهم من المتمشعرة ممن نابذ قول السلف وجعله وراءه ظهريا - و ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) .