فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 1101

الوجه الثاني: إن الإلحاد إما أن يكون بإنكار لفظ الاسم أو بإنكار معناه فإن كان الإنكار لفظه إلحاد فمن ادعى أن الرحمن مجاز لا حقيقة فإنه يجوز إطلاق القول بنفيها فلا يستنكف أن يقول ليس بالرحمن ولا الرحيم كما يصح أن يقال للرجل الشجاع ليس بأسد على الحقيقة وإن قالوا نتأدب في إطلاق هذا النفي فالأدب لا يمنع صحة الإطلاق وإن كان الإلحاد هو إنكار معاني أسمائه وحقائقها فقد أنكرتم معانيها التي تدل عليها بإطلاقها وما صرفتموه إليه من المجاز فنقيض معناها أو لازم من لوازم معناها ، وليس هو الحقيقة ، ولهذا يصرح غلاتهم بإنكار معانيها بالكلية ، ويقولون هي ألفاظ لا معاني لها .

الوجه الثالث: إن هذا الحامل لكم على دعوى المجاز في اسم (الرحمن ) هو بعينه موجود في اسم العليم ، القدير، السميع ، البصير ، وسائر الأسماء فإن المعقول من العلم صفة عرضية تقوم بالقلب إما ضرورية وإما نظرية والمعقول من الإرادة حركة النفس الناطقة لجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها أو ينفع غيرها أو يضره ، والمعقول من القدرة القوة القائمة بجسم تتأتى به الأفعال الاختيارية فهل تجعلون إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله حقيقة أم مجازًا ؟ فإن قلتم حقيقة تناقضتم أقبح التناقض إذ عمدتم إلى صفاته سبحانه فجعلتم بعضها حقيقة وبعضها مجازًا مع وجود المحذور فيما جعلتموه حقيقة ، وإن قلتم لا يستلزم ذلك محذورًا فمن أين استلزم اسم الرحمن المحذور ، وإن قلتم الكل مجاز لم تتمكنوا بعد ذلك من إثبات حقيقة الله البتة لا في أسمائه ولا في الإخبار عنه بأفعاله وصفاته ، وهذا انسلاخ من العقل والإنسانية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت