-إن هؤلاء الطاعنين في هذه العقوبات قد اعتبروا مصلحة المجرم ، ونسوا مصلحة المجتمع ، وأشفقوا على الجاني ، وأهملوا الضحية ، واستكثروا العقوبة ، وغفلوا عن قسوة الجريمة: ولو أنهم قرنوا العقوبة بالجريمة ، ولاحظوا الاثنتين معًا ، لخرجوا موقنين بالعدالة في العقوبات الشرعية ، ومساواتها لجرائمها . فإذا استحضرنا مثلًا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام متخفيًا ، ينقب الجدار ، ويكسر القفل ، ويُشهر السلاح ، ويروّع الآمنين ، هاتكًا حرمة البيوت ، وعازمًا على قتل من يقاومه ، وكثيرًا ما تقع جريمة القتل كوسيلة يتذرع بها السارق إلى إتمام سرقته ، أو الفرار من تبعاتها فيقتل من غير تمييز . وإذا تصورنا حالة النساء والأطفال في البيت وهم يستيقظون ويفتحون أعينهم على وجه السارق المرعب الشرس ، وهو شاهر سلاحه يهدد من يواجهه . وتصورنا ما يُحدثه فعل السارق من قلق عند الناس جميعًا ، وتعطيل لحركتهم ، وبث للرعب في نفوسهم ، وإذهاب لطاقاتهم في حماية أموالهم ، وتأمينها بالمغاليق والأقفال ؛ لأن السارق يبغي المال ، وهو موجود عندهم جميعًا ، فهم معرضون لإجرامه دون تمييز . لو تصورنا هذا أو بعضه مما يحدثه فعل السارق ، ثم قارناه بقطع يده الآثمة الظالمة ؛ لما قلنا عن عقوبته: إنها قاسية ظالمة . وهكذا الشأن في بقية العقوبات ، علينا أن نستحضر جرائمها ، وما فيها من أخطار وأضرار ، وظلم واعتداء ، حتى نستيقن أن الله تعالى قد شرع لكل جريمة ما يناسبها ، وجعل الجزاء من جنس العمل ، وما ربك بظلام للعبيد. قال الشيخ أحمد محمد شاكر ': « إن بعض النظريات الحديثة ترفّه عن المجرم حتى يظن أنه موضع إكرام بما جَنَى ، وتدّعي أن القصد من العقاب التربية والتأديب فقط ، وأنه لا يجوز أن يُقصد به إلى الانتقام ، وتزعم أن الواجب درسُ نفسية ( الجاني ) ، فتُلتمس له المعاذير من ظروفه الخاصة ، وظروف الجريمة ، ومن نشأته وتربيته ، ومن صحته ومرضه ،