فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 1101

ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر .

وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليترحموا بها ، وكذلك بين سائر الحيوان.

فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته ، واشتق لنفسه منها اسمي الرحمن الرحيم ، وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته ، وبصرهم ومكن له أسباب مصالحهم برحمته ، وأوسع المخلوقات عرشه وأوسع الصفات رحمته ، فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء ، ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه ، كتب بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى بين الخلق كتابا ، فهو عنده وضعه على عرشه أن رحمته سبقت غضبه ، وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم ، والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة ، فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر .

وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالها ، فبرحمته خُلقت وبرحمته عمرت بأهلها وبرحمته وصلوا إليه ، وبرحمته طاب عيشهم فيها وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور ، ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ،ومن رحمته إنه يعيذ من سخطه برضاه ، ومن عقوبته بعفوه ومن نفسه بنفسه .

ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثي من جنسه ، و ألقى بينها المحبة والرحمة ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل و انتفاع الزوجين ، ويمتع كل منهما صاحبه .

ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلي بعض لتتم مصالحهم ، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم وانحل نظامها ، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغنى والفقير ، والعزيز والذليل ، والعاجز والقادر ، والراعي والمرعي ، ثم أفقر الجميع إليه ، ثم عم الجميع برحمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت