فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 1101

ومن رحمته أنه خلق مئة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأنزل منها إلي الأرض رحمة واحدة نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها ، فبها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش والبهائم ، وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه .

وتأمل قوله تعالى {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) } [الرحمن/1-4] كيف جعل الخلق والتعليم ناشئًا عن صفة الرحمة متعلقًا باسم الرحمن ، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } [الرحمن/78] فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة ، إذ مجيء البركة كلها منه (1)

(1) قال العلامة المحقق ابن قيم الجوزية ' في كتابه القيم (بدائع الفوائد جـ2 صـ185- بتصرف187) فصل البركة المضافة لله:وأما البركة فكذلك نوعان أيضا

أحدهما: بركة هي فعله تبارك وتعالى والفعل منها بارك ويتعدى بنفسه تارة وبأداة على تارة وبأداة في تارة والمفعول منها مبارك وهو ما جعل كذلك فكان مباركا بجعله تعالى.

والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل منها تبارك ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له عز وجل فهو سبحانه المبارك وعبده ورسوله كما قال المسيح - عليه السلام - {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } [مريم/31] فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك وأما صفته تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [الأعراف/54] {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك/1] {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون/14] {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} [الزخرف/85] {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} [الفرقان/1] {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا } [الفرقان/10] { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان/61]

أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره وجاءت على بناء السعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوهما فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمها وسعتها وهذا معنى قول من قال من السلف تبارك تعاظم.

وقال آخر معناه أن تجيء البركات من قبله فالبركة كلها منه.

وقال غيره كثر خيره وإحسانه إلى خلقه ،وقيل اتسعت رأفته ورحمته بهم ، وقيل تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله ومن هنا قيل معناه تعالى وتعاظم ، وقيل تبارك تقدس والقدس الطهارة وقيل تبارك أي باسمه يبارك في كل شيء ،وقيل تبارك ارتفع والمبارك المرتفع ذكره البغوي ،وقيل تبارك أي البركة تكتسب وتنال بذكره

وقال ابن عباس جاء بكل بركة ، وقيل معناه ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال ذكره البغوي أيضا وحقيقة اللفظة أن البركة كثرة الخير ودوامه ولا أحد أحق بذلك وصفا وفعلا منه تبارك وتعالى .

وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل فإنه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم

أن البركة كلها له تعالى ومنه فهو المبارك ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك ولهذا كان كتابه مباركا وبيته مباركا والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة فليلة القدر مباركة وما حول الأقصى مبارك وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة وتدبر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ثوبان - رضي الله عنه - الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصلاة (( اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ) ) [رواه مسلم وأبو داود وأحمد] فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثناء أعني ثناء التنزيه والتسبيح وثناء الحمد والتمجيد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى فأخبر أنه السلام ومنه السلام فالسلام له وصفا وملكا وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام وكذا الحمد كله له وصفا وملكا فهو المحمود في ذاته وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودا فيهبه حمدا من عنده وكذلك العزة كلها له وصفا وملكا وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه ومن عز من عباده فبإعزازه له وكذلك الرحمة كلها له وصفا وملكا،وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته الذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه فيصير بذلك مباركا فتبارك الله رب العالمين وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون وهذا بساط وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه وأطرافه وأما ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق بالله وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاها - صلى الله عليه وسلم - (( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ) [رواه مسلم] وقال - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشفاعة الطويل (( فأخر ساجدا لربي فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن ) ) [رواه البخاري ومسلم] وفي دعاء الهم والغم (( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) )فدل على أن لله سبحانه وتعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده دون خلقه لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ،وحسبنا الإقرار بالعجز والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه وبالله التوفيق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت