وتزداد ظروف البيئة قسوة كلما تقدم فصل الشتاء بأيامه وأسابيعه حتى أن الرياح والعواصف تبلغ سرعتها 120 - 160 كم في الساعة، وبالرغم من ذلك يبقى الذكر ولمدة أشهر دون غذاء ودون حراك إلا للضرورة ضاربًا مثلًا مثيرًا للدهشة في التضحية من أجل العائلة، وتبدي العائلة تضامنًا كبيرًا لمقاومة البرودة القاسية إذ إن حيوانات البطريق تتراص واضعة مناقيرها على صدورها وبذلك يصبح ظهرها مستويًا مشكلة دائرة فيما بينها وسدًا منيعًا من الريش في مواجهة البرد القارس. وتحدث هذه العمليات بإخلاص وتنظيم دقيق دون أن تحدث أية مشكلة بين الآلاف من هذه الطيور المتراصة، وتظل هكذا لمدة أشهر عديدة بصورة من التعاون المدهش والمثير للحيرة والإعجاب. فالإنسان تصيبه مشاعر الملل والأنانية في هذه الظروف القاسية رغم كونه مخلوقًا عاقلًا يسير وفق مقاييس أخلاقية وعقلية. ولكن البطريق يبقى متعاونًا متكاتفًا ويعمل الفرد من أجل المجموعة بأكمل صورة ممكنة، والتضحية التي يبديها هذا الحيوان للحفاظ على البيض تحت هذه الظروف القاسية تعتبر منافية لمفهومات نظرية التطور التي تدعي أن البقاء للأصلح والأقوى، ونكتشف أن الطبيعة ليست مسرحًا للصراع بل معرضًا للتفاني والتضحية التي يبديها القوي للحفاظ على حياة الضعيف. وبعد ستين يومًا من الظروف القاسية يبدأ البيض في الفقس، ويستمر الذكر في تفانيه من أجل الصغير علمًا أن هذا الذكر لم يتغذ أبدًا طيلة فترة الرقود على البيض. ومن المعلوم أن البطريق الخارج لتوه من البيض ضعيف يحتاج إلى تغذية وعناية مستمرة فيفرز الذكر من بلعومه مادة سائلة شبيهة بالحليب يتم إعطاؤها للفرخ الصغير ليتغذى عليها. وفي هذه الفترة الحرجة تبدأ الإناث بالعودة مصدرة أصوات مميزة فيرد عليها الذكور بصوت مقابل وهي الأصوات نفسها التي استخدمت في موسم التزاوج وبواسطتها يعرف الذكر والأنثى أحدهما الثاني. وقد وهبها الله - سبحانه وتعالى - قدرة