فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 1101

والثاني: أن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير ( أفعل منه ) نحو: هذا خير من ذاك وأفضل وقوله: { نأت بخير منها } [ البقرة / 106 ] وقوله: { وأن تصوموا خير لكم } [ البقرة / 184 ] فخيرها هنا يصح أن يكون اسما وأن يكون بمعنى أفعل ومنه قوله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } [ البقرة / 197 ] تقديره تقدير أفعل منه .

قال ابن عاشور ' (1) :

وكونُ الله تعالى أرحم الراحمين لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحِم غيرَه فإما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا أو للثواب في الآخرة أو دفعًا للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له فلم يخل من قصد نفع لنفسه ، وإما رحمته تعالى عباده فهي خالية عن استجلاب فائدة لذاته العلية .

قال الرازي ' (2) :

أما قوله: { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } فالدليل على أنه سبحانه: { أَرْحَمُ الرحمين } أمور:

أحدها: أن كل من رحم غيره فإما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعًا للرقة الجنسية عن الطبع ، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه ، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه ، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال ، فكان سبحانه أرحم الراحمين .

وثانيها: أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعامًا أو ثوبًا أو دفع عنه بلاء ، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية و إلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ، ثم بعد وصول تلك العطية إليه ، فلولا أنه سبحانه جعله سببًا للراحة لما حصل النفع بذلك ، فإذًا رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين .

(1) التحرير والتنوير - (جـ 9 / صـ 195)

(2) التفسير الكبير - (جـ 11 / صـ 58)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت