فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 1101

وثالثها: أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه ، فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية ، فثبت أنه أرحم الراحمين .

وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (آل عمران:8) (1) :

قال - عز وجل - { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } واعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره مما ينبغي ، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولًا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة ، ثم أنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة ، وإنما قال: { رَحْمَةً } ليكون ذلك شاملًا لجميع أنواع الرحمة:

فأولها: أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة ،

وثانيها: أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة ،

وثالثها: أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية

ورابعها: أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت.

وخامسها: أن يحصل في القبر سهولة السؤال ، وسهولة ظلمة القبر .

وسادسها: أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح الحسنات فقوله { مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } يتناول جميع هذه الأقسام ، ولما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو ، ولا كريم إلا هو ، لا جرم أكد ذلك بقوله { مِن لَّدُنْكَ } تنبيهًا للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه ، ولما كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير ، كأنه يقول: أطلب رحمة وأية رحمة ، أطلب رحمة من لدنك ، وتليق بك ، وذلك يوجب غاية العظمة .

(1) التفسير الكبير - (ج 4 / ص 120)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت