فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 72

قال رحمه الله: وهذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب سبحانه وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده ، والثناء عليه والإِنباء عن عظمته وعزته وحكمته وأنواع صنعه والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله ، وتصديقه لهم بما أقامه من الشواهد والدلالات على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله ، وتَبْيين مراده من ذلك كله ، وكان من تمام ذلك: الإخبار عن الكافرين والمكذبين وذكر ما أجابوا به رسلهم ، وقابلوا به رسالات ربهم ، ووصف كفرهم وعنادهم وكيف كذبوا على الله وكذَّبوا رُسُلَه ، وردّوا أمره (ومصالحه) ، فكان في اجتلاب ذلك من العلوم والمعارف والبيان ، ووضوح شواهد الحق وقيام أدلته وتنوعها ، وكان موقع هذا من خلقه موقع تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناء عليه ، وأن أسماءه الحسنى وصفاته العليا هي موضع الحمد ، ومن تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به ، وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما في بيان الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه ، ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده ، وحمده من تمام تسبيحه ، ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين ، وكان ما نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفات كماله - من علوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلم به على رسله وغير ذلك - مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه ، وكان في ذلك ظهور حمده بخلقه ، وتنوع أسبابه وكثرة شواهده وسعة طرق الثناء عليه به وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب عباده ، فلولا معرفة الأسباب التي يُسَبَّح ويُنَزَّه ويتعالى عنها ، وخَلْقُ من يضيفها إليه ويصفه فيها ، لما قامت حقيقة التَّسْبيح ، ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أي شيء يسبحونه وعماذا ينزهونه !! فلمَّا رأوا في خَلْقِه من قد نَسَبه إلي ما لا يليق به وجحد من كماله ما هو أولي به: سبَّحوه حينئذ تسْبيح مُجِلِّ له مُعظِّم له منِّزه له عن أمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت