فهرس الكتاب
وقال محققه الفقيه: رواه البخاري، وقائل هذه العبارة"شداد المسائل وصعابها"الإمام الأوزاعي، كما في رواية أحمد وأبي داود، وهي عندهما بلفظ"الغَلوطات"-بفتح العين المعجمة- أي: المسائل التي يغالط بها العلماء؛ ليزلّوا فيها، فيهيجوا -بذلك- فتنة وشرا.
وإنما نهى عنها لأنها غير نافعة في الدين، ولا تكاد تكون إلا فيما لا يقع. ورواه ابن بطة في الكبرى، ورُوي أيضا تفسير الحديث عن الأوزاعي، ورواه الخطابي في غريب الحديث، ورواه الهروي في ذم الكلام بدون قول الأوزاعي.
نعم. وهذا الحديث ثابت، وهو " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكره كثرة المسائل " والمراد بالكراهة: كراهة التحريم؛ لأن الكراهة إذا جاءت في النصوص، وفي كلام السلف، يراد بها كراهة التحريم في الغالب.
ألا ترى أن الله - عز وجل - في سورة الإسراء، لما ذكر الكبائر العظيمة: من الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، وقتل النفس بغير حق، والمشي في الأرض مرحا -قال بعد ذلك: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) } [1] يعني: محرما.
وكما في الحديث السابق " إن الله كره قيل وقال، وكثرة السؤال، وعقوق الأمهات، ومنع وهات " وهذه محرمة. فالمراد: كراهة التحريم.
وقد تأتي الكراهة قليلة، يراد بها: كراهة التنزيه. كما جاء في الحديث " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العشاء يكره النوم قبلها، والحديث بعدها " النوم قبلها والحديث بعدها، هذه كراهة تنزيه.
المراد هنا: كراهة التحريم. " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره كثرة المسائل " لأن كثرة المسائل قد تؤدي إلى التعنت، وقد تكون سببا في التحريم في زمن النبوة؛ ولهذا أنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [2] وجاء في الحديث " إن أعظم المسلمين جرما عند الله من سأل عن شيء لم يُحرم، فحرم من أجل مسألته " فكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكره كثرة المسائل.
" ونهى عن الغلوطات " الإنسان يسأل عن المسائل التي فيها أغلوطات، وهي: إيقاع الإنسان في الغلط والعنت، وقيل: هي شداد المسائل وصعابها. وأهل البدع إنما حصلت البدع بسبب كثرة مسائلهم، وسؤالهم عن الأغلوطات، وعن الأشياء التي لم تقع، وعن الفرضيات؛ ولهذا وقعوا في البدع. نعم.
حديث اتركوني ما تركتكم
وقال - صلى الله عليه وسلم: " اتركوني ما تركتكم ".
رواه البخاري بلفظ: " ذروني " والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن بطة في الكبرى، واللالكائي، والهروي في ذم الكلام، وابن حبان في صحيحه، ورمز السيوطي لصحته في الجامع الصغير، وعزاه لأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة، ورواه عبد الرزاق في المصنف.
نعم، وهذا حديث صحيح، وهو قوله: " اتركوني ما تركتكم " أي: أنه ينبغي للناس ألا يسألوا عن أشياء يشددون على أنفسهم، كما فعلت بنو إسرائيل، فإن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم، أمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ولو أخذوا أي بقرة فذبحوها لأجزأتهم، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
قالوا: يا موسى ما ندري البقرة، أي بقرة هذه؟ لما قال: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [3] هذا من تعنتهم {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } [4] ثم {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [5] وسط، ليست بالكبيرة ولا بالصغيرة {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) } [6] ولو أخذوا أي بقرة لأجزأتهم.
لكن شددوا قالوا يا موسى {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} [7] ما لون البقرة؟ ما ندري نأخذ البقرة الصفراء ولا السوداء ولا الحمراء؟ ولو أخذوا أي بقرة لأجزأتهم، لكن شددوا فشدد الله عليهم.
{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) } [8] ثم أيضا ما وقفوا عند هذا الحد {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [9] شددوا فشدد الله عليهم، جاءت هذه الأوصاف فضيقت عليهم، هم الذين شددوا على أنفسهم.
ولهذا قال النبي " اتركوني ما تركتكم " ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: " إن الله أوجب عليكم الحج فحجوا، قام رجل فقال: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم " الحج مرة فمن زاد فهو تطوع.
هذه أمثلة لقوله: " اتركوني ما تركتكم " ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، تأدبوا، هم أعظم الناس أدبا وتعظيما وتوقيرا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا -رضوان الله عليهم- لا يحدقون النظر فيه؛ إجلالا له وهيبة - عليه الصلاة والسلام -.
وكانوا لا يسألونه، يهابونه - عليه الصلاة والسلام - ويخشونه، وكان يُعجبهم أن يأتي الرجل العاقل من البادية فيسأل؛ لأن الأعراب -يعني في الغالب- عندهم جفاء، وليس عندهم من الصفات مثل ما للصحابة، فيأتي فيسأل، فيستمع الصحابة ويستفيدون.
كان يعجبهم ويسعدون، ويتمنون أن يأتي الرجل الأعرابي من البادية فيسأل، فيستمعون ويستفيدون. ولما سكتوا مرة وقال: سلوني، سلوني، وهابوا، ولم يسألوه أرسل الله جبرائيل، فجاء جبرائيل في صورة رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد من الصحابة.
وتعجبوا من هذا الرجل! شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، ما يعرفونه! والعادة أن الرجل الغريب والمسافر تكون عليه آثار السفر، تكون ثيابه فيها تراب وفيها غبار، وشعره متشعث؛ لأن الأسفار في ذلك الزمان ليست كالأسفار في زماننا، كان السفر على الإبل، وهو مسافات بعيدة.
(1) - سورة الإسراء آية: 38.
(2) - سورة المائدة آية: 101.
(3) - سورة البقرة آية: 67.
(4) - سورة البقرة آية: 67.
(5) - سورة البقرة آية: 68.
(6) - سورة البقرة آية: 68.
(7) - سورة البقرة آية: 69.
(8) - سورة البقرة آية: 69.
(9) - سورة البقرة آية: 70 - 71.