الصفحة 110 من 590

وكان يأتي الرجل من البادية فيسأل، فيستفيدون؛ ولهذا قال: " اتركوني ما تركتكم " خشية أن يسألوا شيئا ليس لهم به علم، أو خشية أن يسألوا شيئا يكون سببا لتحريم شيء، أو خشية أن يشقوا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يسألوا شيئا وهو لا يريده؛ فلهذا تأدبوا، وعملوا بهذا الحديث " اتركوني ما تركتكم " نعم.

حديث أعظم المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يُحرم

وقال - صلى الله عليه وسلم: " أعظم المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يُحرم فُحرم من أجل مسألته ".

رواه مسلم، وأبو داود، والحميدي في مسنده، وابن الجارود في المنتقى، والآجُرِّيّ في الشريعة، وابن بطة في الكبرى من أربع طرق.

قال الخطابي:"هذا الحديث فيمن سأل تكلفا أو تعنتا، فيما لا حاجة به إليه، فأما من سأل لضرورة، بأن وقعت له مسألة فسأل عنها، فلا إثم عليه ولا عتب؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [1] ."

نعم، وهذا الحديث فيه تحريم السؤال بغير حاجة، وهو رواه الإمام مسلم، وهو حديث صحيح، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: " أعظم المسلمين جرما - يعني ذنبا - من سأل عن أمر لم يُحرم فُحرم من أجل مسألته " بسبب تعنته. وكما قال الخطابي - -رحمه الله-:"السؤال الممنوع هو سؤال التكلف والتعنت".

بعض الناس يسأل أسئلة تعنت وتكلف، أو أسئلة لا حاجة له بها، أو أسئلة فرضيات لم تقع. أما من سأل للاسترشاد والاستفهام، أو لأجل شيء وقع له، فهذا ليس منهيا عنه. كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [2] وهذا هو الجمع بين النصوص.

النصوص التي فيها نهي عن السؤال محمولة على سؤال التكلف والتعنت، والإيذاء للمسئول، وسؤال الفرضيات، وما لم يقع. والنصوص التي فيها الأمر بالسؤال محمولة على السؤال للاسترشاد والاستفهام، لشيء يحتاج إليه الإنسان. نعم.

حديث من أحدث حدثا أو آوى محدثا

وقال - صلى الله عليه وسلم - " من أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " فقالوا: للحسن ما الحدث؟ فقال: أصحاب الفتن كلهم محدِثون، وأهل الأهواء كلهم محدثون.

رواه البخاري، وأوله: " المدينة حرم، ما بين عير إلى كذا، فمن أحدث ... " وذكره، والترمذي في سننه، باب النهي عن بيع الولاء وهبته.

وهذا حديث ثابت، قول النبي - صلى الله عليه وسلم: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " المعروف في الحديث"لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"."ولعنة اللاعنين"قد تكون جاءت في بعض الروايات، فقال: " لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " هذا فيه التحريم من إحداث الحدث.

والحدث: البدعة والمعصية. قال: " فمن آوى محدثا " -مبتدعا- فيه تحذير من البدع، وإيواء المبتدعين. من أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فقد ارتكب جريمة، ارتكب كبيرة؛ ولهذا قال النبي - عليه الصلاة والسلام: " فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".

(1) - سورة النحل آية: 43.

(2) - سورة النحل آية: 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت