فهرس الكتاب
يريد الحق هو الذي يسأل ويستفسر ليعلم الحق، وهذا لا يكون مجادلا، وإنما يسأل عما لا يعلمه فيفتيه العالم، كما قال الله -تعالى-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [1] .
أما هؤلاء المخاصمون والمجادلون فإنهم لا يريدون الحق في الغالب، فتكون الفتيا في هذه الحالة لا محل لها، وفي غير محلها؛ ولهذا أفتى هؤلاء التابعون بأن كرهوا الفتيا في شيء من الخصومات، وقالوا: إذا وجدت الخصومات والجدال ينشأ عنها الشبه والشكوك، فأمسك؛ ولهذا قال: الخصومات محق للدين، تمحق الدين، وقالوا: ما خاصم ورع قط.
الورع ما يخاصم، ورعه يحجزه ويمنعه من الخصومات والنزاع والشقاق والجدال، فإذا وصل في الحال إلى الخصومات والجدال والنزاع، فالإنسان يمسك، أما إذا كان الجدال لإظهار الحق ورد البطل بالتي هي أحسن، بالنصوص الواضحة، فلا إشكال فيه، قال الله - تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [2] قال سبحانه {* وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [3] .
وجاء في النصوص النهي عن الخصومات والجدال. والجمع بينهما أن النصوص التي فيها الأمر بالجدال المراد بها الجدال لإظهار الحق ورد الباطل في النصوص والخصومات، والنصوص التي فيها النهي عن الجدال،
(1) - سورة النحل آية: 43.
(2) - سورة النحل آية: 125.
(3) - سورة العنكبوت آية: 46.