فهرس الكتاب
وكذلك عليه أن ينكر على من يسمع الغيبة هل يحدث بالغيبة؟ لا، بل عليه أن ينكر على صاحبها، ولا يحدِّث بها، يسمع الباطل ينكر على صاحبه ولا يحدث به.
ولهذا قال طلحة بن مصرف:"لا تحدث بكل ما سمعت إلا أن يكون الذي حدثكم على السنة"فحدِّث به؛ لأنه خير، وإن كان على البدع فلا تحدث به، نعم.
حديث لأن أرى في المسجد نارا تضطرم أَحَبُّ إليَّ من أن أرى فيه بدعة
وقال أبو إدريس الخولاني: لأن أرى في المسجد نارا تضطرم أَحَبُّ إليَّ من أن أرى فيه بدعة لا تُغَيَّر.
رواه المروزي في السنة، ورواه من قول ابن عمر -أيضًا- ورواه ابن بطة في الكبرى، ورواه ابن وضاح، وعزاه الشاطبي في الاعتصام لابن وهب.
نعم، وهذه المقالة لأبي إدريس الخولاني عائض بن عبد الله الدمشقي، عالم أهل الشام، يقول:"لأنْ أرى في المسجد نارا تضطرم أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تُغَيَّر"؛ لأن النار التي في المسجد تضطرم، يمكن إطفاؤها، ولا يضر إذا أكلتْ شيئا من المسجد أو جانب المسجد، يمكن إصلاحه، ولا يضر.
وإن كان هذا نقص لكنه نقص دنيوي، لكن المصيبة البدعة التي لا تغير؛ لأن هذا نقص في الدين، وتضرر للعقائد، تضر العقيدة وتضر الدين؛ ولهذا فضل أبو ادريس الخولاني، قال:"لأن أرى في المسجد نارا تضطرم": تشتعل"أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تُغير".
إن النار التي تضطرم يمكن إطفاؤها وإزالتها، ولا يضر النقص الذي حصل هذا نقص مقدر وقد يثاب الإنسان على المصيبة التي حصلت هذا نقص قال -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) } [1] .
وإذا صبر الناس أثيبوا، لكن المصيبة هي البدعة التي لا تغير، والكسر الذي لا يجبر هو الكسر في الدين؛ لأن النار التي تضطرم هذا كسر في الدنيا، ومصيبة في الدنيا، لكن البدعة التي لا تُغير نقص في الدين، وكسر في الدين، فيصعب جبره.
ولهذا فضل أبو اسحاق الخولاني -عالم الشام- المصيبة الدنيوية على المصيبة الدينية؛ لأن النار التي في المسجد التي تضرم مصيبة دنيوية، والبدعة التي لا تغير مصيبة دينية؛ فكانت المصيبة الدنيوية أسهل وأخف من المصيبة الدينية، نعم.
حديث ما يكاد الله يأذن لصاحب بدعة بتوبة
وقال عطاء: ما يكاد الله يأذن لصاحب بدعة بتوبة.
رواه الهروي في ذم الكلام، وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، عن ابن عباس مرفوعا، وأوله: أبى الله ... وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه مجاهيل.
نعم، هذا ليس بحديث، هذا من كلام عطاء، أوله:"ما يكاد الله أو يأبى الله لصاحب بدعة بتوبة"يعني: في الغالب في الغالب أن صاحب البدعة لا يتوب؛ لأنه يعتقد أنه على الحق وقد يُوفَّق للتوبة، وكم من مبتدع منَّ الله عليه، لكن المراد الأقرب؛ ولهذا قال:"لا يكاد"يعني: ما يقرُب في الغالب، وهذا هو الأقرب.
والسبب في هذا أن صاحب البدعة يعتقد أنه على حق، فلا يفكر في التوبة في الغالب؛ ولهذا أغلب أهل البدع يستمرون على بدعهم، وقد يوفق الله الإنسان للتوبة فيتوب من بدعته، ويوفقه الله ليتوب، هذا معتقد أهل السنة والجماعة، نعم.
(1) - سورة البقرة آية: 155.