الصفحة 36 من 590

إلا الله وقع في الشرك، فمن سأل غير الله تفريج الكربات، أو إجابة الدعوات أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون مشركا.

لكن لو سأل الإنسان مخلوقا يقدر عليه، فلا بأس، إذا سأل حيا حاضر فيما يقدر عليه لا بأس، يقول: يا فلان أسألك أن تقرضني مالا، أسألك أن تعطيني كذا، أن تساعدني في كذا، في إصلاح سيارتي، في إصلاح مزرعتي، في إصلاح بيتي، لا بأس، حي حاضر قائم، أما الغائب والميت، فلا يدعى ولا نطلب منه شيء، فمن سأل الغائب أو الميت فإنه يكون شرك؛ ولهذا المؤلف -رحمه الله- سأل الله، قال:"أما بعد، فإني أسأل الله أن يحضرنا وإياك توفيقا".

سأل الله التوفيق مرة أخرى، وسأل في الخطبة قال:"نستوفق الله"، يعني نسأل الله التوفيق، ثم سأل الله مرة أخرى، قال:"نسأل الله أن يحضرنا وإياك توفيقا"، يعني وفقنا، يفتح لنا، نسأل الله أن يحضرنا وإياك توفيقا، يفتح لنا ولك به أبواب الصدق، يعني سأل الله -سبحانه وتعالى- التوفيق، وهذا التوفيق يفتح الله به أبواب الصدق، أبواب الصدق في القول وفي العمل.

يعني قال: نسأل الله أن يوفقنا للصدق، ومن وفقه الله للصدق، فقد حصل على السعادة الأبدية، و الصدق في الاعتقاد، والصدق في القول، والصدق في العمل، فالصادق في الاعتقاد، هو موحد الله، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، على الصدق والإخلاص، بخلاف المنافقين فإنهم لا يشهدون عن صدق، بل عن كذب ونفاق، وإن أقروا بشهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله بألسنتهم، إلا أن قلوبهم مكذبة.

قال الله تعالى في كتابه المبين: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) } [1] وقال -سبحانه-: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) } [2] إذن المنافقون كاذبون، كاذبون في أي شيء، في شهاداتهم لله بالوحدانية، وشهادتهم لنبيه بالرسالة؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار-والعياذ بالله-؛ لأن الألسن مصدقة تنطق، والقلوب مكذبة.

نسأل الله السلامة والعافية، فنسأل الله، المؤلف -رحمه الله-،"نسأل الله أن يحضرنا وإياك توفيقا، يفتح لنا ولك به أبواب الصدق"، أبواب الصدق في الاعتقاد، حتى لا يكون الإنسان من المنافقين، وكذلك أبواب الصدق في القول، يكون الإنسان صادقا في أقواله، وفي حديثه.

ومن صفات المنافقين العملية، أنه إذا حدث كذب، آية المنافق إذا حدث كذب، وكذلك الصدق في العمل، يكون صادقا في أعماله، تكون أعماله تصدق أقواله، في مواعيده، وفي أعماله يكون صادقا، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم الأعمال تصدق، يكون منقاد لشرع الله ودينه، منقاد الأعمال، الجوارح بالأعمال.

والصادقون هم السعداء، قال الله تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [3] وقال -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) } [4] وقال -سبحانه-: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [5] .

فالصدق منجاة، من اتصف بالصدق في اعتقاده، وفي قوله وفي عمله هو السعيد، ومن اتصف بالكذب في عقيدته، أو في عمله فهو من الهالكين، نسأل الله السلامة والعافية؛ ولهذا من نصح المؤلف -رحمه الله- أنه يسأل لنفسه ولك -أيها القارئ وأيها المستمع- التوفيق، وهذا التوفيق يفتح الله به أبواب الصدق.

(1) - سورة البقرة آية: 8.

(2) - سورة المنافقون آية: 1.

(3) - سورة الأحزاب آية: 8.

(4) - سورة الأحزاب آية: 35.

(5) - سورة المائدة آية: 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت