نعم. يقول المؤلف -رحمه الله-: قدم بين يدي هذا، بين يدي بيان السنة، وبيان معتقد أهل السنة والجماعة، وبيان السنن في العبادات والعمل، قدم بين يدي ذلك مقدمة طويلة، ساق فيها النصوص من كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال أهل العلم من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، جعله مقدمة، وهو القسم الأول، قدمها للتحذير من الشذوذ، الشذوذ هو مخالفة الكتاب والسنة، ومخالفة ما عليه الصحابة والتابعين.
والتخويف من الندود، يعني التخويف، الندود بمعنى الشذوذ، الندود جمع ند، يقال: ند الجمل، يعني إذا شرد وهرب؛ ولهذا يقول العلماء: إذا ند جمل فلا يصح بيعه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، فالجمل الشارد والعبد الآبق، والطير في الهواء، لا يصح بيعه؛ لأن شرط البيع القدرة على التسليم، فالمؤلف -رحمه الله- يقول: قدم بين يدي هذا الكتاب -القسم الأول- النصوص التي فيها التحذير من الشذوذ، الشذوذ يعني الانفراد، الانفراد عما عليه أهل السنة والجماعة.
والتخويف من الندود-من الند- يند الإنسان ويشذ عن أهل السنة والجماعة، ويخالف ما عليه الصحابة والتابعون، وما أمر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - من لزوم الجماعة، فإنه الله -سبحانه وتعالى-، أمر الله - عز وجل - رسوله بلزوم الجماعة، فقال -سبحانه-: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [1] .
وقال-سبحانه وتعالى-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) } [2] بعدها قوله -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} [3] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) } [4] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [5] .
فالنصوص كلها جاءت بلزوم الجماعة، ومباينة أهل الزيغ، والتفرق والشناعة، مباينتهم، يعني مخالفتهم، والبعد عنهم، أهل الزيغ الانحراف في المعتقد، وهذا هو الأعظم، والتفرق بالبعد عن أهل السنة والجماعة والشناعة، يشنعون على أهل السنة والجماعة، نعم.
وما يلزم أهل السنة من المجانبة والمباينة، لمن خالف عقدهم، ونكث عهدهم، وقدح في دينهم، وقصد لتفريق جماعتهم.
نعم. يلزم أهل السنة، والذي يلزم أهل السنة والجماعة، أن يجانبوا ويباينوا من خالف عقدهم -اعتقادهم-، أهل السنة والجماعة يجانبون ويباينون، ويبتعدون عمن خالف اعتقادهم، من أهل البدع؛ كالجهمية والمعتزلة والرافضة، والمرجئة والكرامية والأشاعرة، وغيرهم ممن خالف السنة.
أهل السنة يلزمهم المجانبة، أن يكونوا في جانب بعيد، ويباينوا من خالف عقدهم، يعني اعتقادهم، ونكث عهدهم، فإن المؤمن له عهد، له عهد مع الله -سبحانه وتعالى- أن يلتزم بشرع الله ودينه، قال -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [6] وقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل، {* وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) } [7] .
هذا عهد وعقد لبني إسرائيل، وهو مأخوذ على هذه الأمة، من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وآمن بالرسل وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وعزره ونصره، ونصر سنته، كفر الله سيئاته، واستقام على دينه، كفر الله سيئاته، ومن كفر فهو هالك وله العذاب العظيم؛ ولهذا قال:"وما يلزم أهل السنة من المجانبة والمباينة، لمن خالف عقدهم، ونكث عهدهم وقدح في دينهم".
هذه طريقة أهل البدع، فأهل السنة والجماعة الذي يظهرونه، يباينون أهل البدع ويخالفونهم، وقصد لتفريق جماعتهم، فأهل السنة، يلزمهم البعد عن هؤلاء، الذين يخالفون عقيدة أهل السنة والجماعة، وينكثون عهدهم، ويقدحون في دينهم، ويقصدون تفريق جماعتهم، نعم.
(1) - سورة الشورى آية: 15.
(2) - سورة آل عمران آية: 105.
(3) - سورة البقرة آية: 278.
(4) - سورة آل عمران آية: 100 - 101.
(5) - سورة آل عمران آية: 102 - 103.
(6) - سورة المائدة آية: 1.
(7) - سورة المائدة آية: 12.