الصفحة 79 من 590

ومن ذلك: أن الخلفاء الثلاثة أبا بكر الصديق وعمر وعثمان كانوا يفتون بالإفراد بالحج، كانوا يفتون الناس بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يفردوا بالحج، واجتهدوا وقالوا لمن سألهم: أفرد الحج وائت بالعمرة في وقت آخر، حتى لا يزال هذا البيت يُحج ويُعتمر.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمتعة؛ للأحاديث الكثيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة في حجة الوداع، خيرهم عند الميقات، فلما قرب من مكة أمرهم أن يفسخوا إحرامهم بالحج أو بالحج والعمرة إلى عمرة، ويكونوا متمتعين، فلما وصلوا مكة ألزمهم وحتم عليهم عند المروة، حتى تحللوا كلهم إلا من ساق الهدي.

ولهذا ذهب بعض العلماء إلى وجوب التمتع، وروي عن الإمام أحمد، واختار ابن القيم قال: أنا أميَل إلى هذا القول من قول شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية-، وهو اختيار الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- أنه يجب المتعة، والصواب الذي عليه الجمهور أنه ليس واجبا.

شيخ الإسلام يرى أن هذا واجب في حق الصحابة حتى يزول اعتقاد الجاهلية؛ لأنهم في الجاهلية كانوا يحرمون المتعة في أشهر الحج، ويرون أن المتعة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويقولون: ليس هناك عمرة في وقت الحج إلا إذا انتهت أيام الحج، " إذا انسلخ شهر صفر وبرأ الدبر " يعني الجروح التي في ظهر البعير، " وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر ".

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - خالفهم، وأمر الصحابة أن يجعلوا إحرامهم بالحج أو بالحج والعمرة متمتعين، وأخذ بهذا ابن عباس وعلي -رضي الله عنهما-، وجماعة، وأبو موسى كانوا يفتون بالمتعة، ولما ناظر بعض الناس، ناظروا ابن عباس -رضي الله عنهما- وقالوا: أنت تفتي بالمتعة، وأبو بكر وعمر يفتون الناس بالإفراد -إفراد الحج- فكيف تخالف؟

فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- وشد عليهم، وقال: أنا أفتيكم بالسنة، أنا معي السنة، وأنتم معكم قول أبي بكر وعمر، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ كيف تعارضون السنة بقول أبي بكر وعمر؟ فإذا كان الذي يعارض السنة بقول أبي بكر وعمر يُخشى أن تنزل عليه حجارة من السماء، فكيف بمن يعارض السنة بقول فلان وعلان؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت