الصفحة 91 من 590

على يحيى بن ميمون، وقد كذبوه، فالعلل متناهية، قلت: بل هو صدوق كما قال صاحب التقريب، وقد ضعفه الألباني في تخريج شرح الطحاوية، كما أشار صاحب مرآة المفاتيح إلى ضعفه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد ..

فهذا هو الأثر الثاني عشر من الآثار التي ساقها المؤلف -رحمه الله- في القسم الأول من أقسام هذا الكتاب:"الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة"في التحذير من البدع والأهواء، والأمر بلزوم السنة والجماعة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا تجالسوا أهل القدر؛ فإنهم هم الذين يخوضون في آيات الله - عز وجل - ".

فهذا الحديث اختلف في صحته وضعفه، وعلى القول بصحته فلا إشكال فيه، فيه النهي عن مجالسة أهل القدر؛ لأنهم من أهل البدع، وهم الذين يخوضون في آيات الله - عز وجل - ويؤلون النصوص على غير تأويلها، وعلى القول بضعفه، فالمعنى صحيح، وأنه لا ينبغي مجالسة أهل القدر؛ لأنهم من أهل البدع.

وأهل القدر طائفتان: الطائفة الأولى الذين أنكروا علم الله وكتابته للأشياء، فهؤلاء كفار، وهم الطائفة الأولى من القدرية، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله-:"ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا".

فالقدرية وهم الطائفة الأولى الذين أنكروا المرتبة الأولى والمرتبة الثانية من مراتب القدر، مراتب القدر أربعة، لا بد من الإيمان بها، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بهذه المراتب.

المرتبة الأولى: علم الله بالأشياء قبل كونها، وعلم الله يشمل الإيمان بعلم الله الأزلي، وعلم الله في الحال بالأشياء الواقعة، وعلم الله في المستقبل، وعلم الله بالمستحيل الذي لم يكن لو كان كيف يكون، لا بد من إثبات علم الله.

ثم المرتبة الثانية:: الكتابة، كتابة الله للأشياء قبل كونها، وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} [1] الكتاب هو اللوح المحفوظ، وقال -سبحانه وتعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [2] وقال سبحانه: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) } [3] وقال سبحانه: {* وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } [4] .

والمرتبة الثالثة: إرادة الله للأشياء الكائنة، وأن كل شيء في هذا الوجود فالله أراد وجوده، قد سبقت به إرادة الله، كما سبق به علمه وكتابته، سبقت إرادته.

: والمرتبة الرابعة:: الله للأشياء، كل شيء في هذا الكون فالله خلقه، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) } [5] وقال سبحانه: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [6] وفي الخلق قال الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [7] {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) } [8] .

فهذه مراتب الإيمان بالقدر، أربع:

1 -علم الله بالأشياء قبل كونها.

2 -كتابته لها في اللوح المحفوظ.

3 -إرادة الله للأشياء قبل كونها.

4 -خلق الله لجميع الأشياء.

فأهل الحق، وأهل الإيمان، وأهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين آمنوا بهذه المراتب الأربع كلها.

أما القدرية فهم طائفتان: طائفة أنكرت المرتبة الأولى والمرتبة الثانية، أنكروا علم الله بالأشياء قبل كونها، وقالوا: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، قالوا:"إن الأمر أُنُف"، يعني مُستأنف وجديد، وهؤلاء كفرة -والعياذ بالله-؛ لأنهم لما أنكروا علم الله الأزلي نسبوا الله إلى الجهل، وهؤلاء خرجوا في أواخر عهد الصحابة -رضي الله عنهم-.

(1) - سورة الحج آية: 70.

(2) - سورة الحديد آية: 22.

(3) - سورة يس آية: 12.

(4) - سورة الأنعام آية: 59.

(5) - سورة الحج آية: 14.

(6) - سورة الأنعام آية: 125.

(7) - سورة الرعد آية: 16.

(8) - سورة الفرقان آية: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت