فهرس الكتاب
وهم الذين ذكرهم الإمام مسلم في أول حديث في كتابه في صحيح مسلم، لما ذكر حميد الطويل وصاحبه، وأنهم اكتنفوا أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر وسألوه، وكانوا أتوا من جهة البصرة في وقت الحج، وقالوا: " يا أبا عبد الرحمن، إنه ظهر قِبَلنا أناس يتقفرون العلم، ويزعمون أن الأمر أُنُف -يعني مستأنف وجديد لم يسبق به علم الله-، فقال: إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم برآء مني، والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ".
ثم استدل بحديث عمر الطويل، وهو حديث جبرائيل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله جبرائيل عن الإيمان فقال: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ".
وهؤلاء هم الطائفة الأولى، وهم انقرضوا، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله-:"ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا"، إن أقروا بالعلم، وأن الله علم الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، فيلزمهم أن يقروا بأن الله أراد أفعال العباد، وخلقها، وإن أنكروه كفروا.
أما الطائفة الثانية -وهم عامة القدرية-: فإنهم يؤمنون بالمرتبتين الأوليين، يؤمنون بعلم الله للأشياء، سبق علم الله، علم الله الأزلي، ويؤمنون بالكتابة، ولكن ينكرون عموم إرادة الله للأشياء حتى تشمل أفعال العباد، وينكرون عموم خلقه وإيجاده للأشياء حتى تشمل أفعال العباد.
فقالوا: إن أفعال العباد خارجة عن إرادة الله وخلقه وإيجاده، فالعباد هم الذين أرادوا أفعالهم وخلقوها وأوجدوها مستقلين، والله لم يوجدها، فالعباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وأوجدوا عباداتهم وأفعالهم من طاعات ومعاصٍ، هؤلاء يسمون عامة القدرية، هؤلاء مبتدعة.
فالطائفة الأولى كفرة، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي:"ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا"، وهم الذين أخرجهم العلماء من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: إنهم كفروا، خرجوا من الثنتين والسبعين فرقة، الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة " فهذه الثنتان والسبعين فرقة مبتدعة، خرج منهم القدرية؛ لأنهم كفرة.