فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 132

وعند الجهمية ومن تبعهم نسبة اليد إلى الله هو من الباطل ومن التشبيه الذي عند اليهود، فعند المعطلة أن إثبات اليدين إلى الله تشبيه، وقال -سبحانه وتعالى- لإبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا (( (( (( (( } [1] الآية الأخرى {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [2] "ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟!"فهاتان الآيتان هما أصرح الآيات في الدلالة على إثبات اليدين لله.

وجاء ذكر اليدين في مواضع لكن إما بلفظ الإفراد كقوله -تعالى-:"بِيَدِهِ الْمُلْكُ"، أو بلفظ الجمع كما في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ (( (( (( (( (( (} [3] ولفظ الإفراد لا يدل على أن اليد واحدة، ولفظ الجمع لا يدل على أن لله أيدي، فإن هذا الأسلوب لا يفيد هذا المعنى، هذا معروف من اللسان العربي ذكر اليد مفردة وذكر اليد مجموعة، بحسب التراكيب؛ فالله -تعالى- له يدان كما صرح بذلك في موضعين من القرآن.

وكما دلت السنة على ذلك، فمنها حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " المقسطون على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ملكوا ""وكلتا يديه"هذا هو الشاهد، وكلتا يديه، فله يدان يمين ويده الأخرى، أو يمين وشمال كما في رواية عند مسلم"يدان".

وأما قوله:"وكلتا يديه يمين"فالمقصود كلاهما ذات يمن وخير وبركة في"يمين"في قوله"عن يمين الرحمن"ليس هو معنى"وكلتا يديه يمين"هذه لها دلالة وهذه لها دلالة،"كلتا يديه يمين"يمينه واليد الأخرى كلاهما ذات يمن وخير وبركة، وقد فرق القرآن بينهما في قوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [4] وجاء في تفسير هذه الآية من السنة أن الله -تعالى- يطوي السماوات بيمينه ويقبض الأرض بيده الأخرى، وفي لفظ"بشماله".

ومن أدلة إثبات اليدين ما جاء في حديث الشفاعة من " أن الناس يقولون لآدم يطلبون منه أن يشفع لهم يقولون: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه " هذا هو الشاهد"خلقك الله بيده"، ومن ذلك حديث ابن مسعود في قصة: " الحبر اليهودي الذي جاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكر له أن الله يجعل المخلوقات على أصابعه: يجعل الماء والشجر على إصبع، والجبال على إصبع، وكذا على إصبع .. وعدّد فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن مسعود: ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ قوله سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [5] ".

فأهل السنة والجماعة متفقون على إثبات اليدين لله على ما جاء في القرآن وفي السنة، وأنكرت الجهمية ذلك على أصلهم في نفي الصفات كلها عن الله، في نفي الصفات كلها، وكذلك المعتزلة وكذلك الأشاعرة في أكثر الصفات، إذًا اليدان هي من الصفات التي تنفيها الأشاعرة، ينفون يقولون: الله -تعالى- ليس له يدان. ثم يختلفون فمنهم من يفوض النصوص ويقول هذه النصوص الله أعلم بمراده منها، لا نفسرها ولا نفهمها ولا نتدبرها ولا نفكر فيها، ما نفكر في قوله -تعالى-: {بَلْ يَدَاهُ (( (( (( (( (( (( (( } [6] ولا يمكن لأحد أن يفهم منها شيئا، وهؤلاء هما المفوضة منهم، هم المفوضة من النفاة.

ومنهم من يفسر اليد بالقدرة أو بالنعمة ويقول: إن الله خلق آدم بالقدرة، وهل لآدم مزية على سائر الناس على هذا التقدير؟ ليس لآدم خصوصية؛ فالله خلق كل شيء بقدرته، وإيجاده للإنسان هو من إنعامه عليه، إعطائه ما يحتاج إليه، تفسير اليد بالقدرة أو بالنعمة يذهب بخصوصية آدم وبالفضيلة التي اختص بها ونوّه الله بها في تفضيله حين قال لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [7] .

والشبهة العامة عند المعطِّلة هو أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه فنفوا كل ما أثبته الله ورسوله من الصفات +.

ورد عليهم أهل السنة قالوا: إذًا انفوا كل شيء، إذا كان إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه فانفوا كل شيء حتى الوجود؛ لأن الإنسان موجود، فهل إثبات الوجود لله يستلزم التشبيه؟ بالضرورة لا, فليس وجود الرب كوجود المخلوق إذًا، وكذلك حياته هل إثبات الحياة لله يستلزم التشبيه؟ لا، فليس الحي كالحي، وليست حياة الرب كحياة المخلوق، ولا سمعه كسمعه ولا بصره كبصره، ونقول أيضا خصوصًا للأشعريين: وقل مثل ذلك في وجهه ويديه -سبحانه وتعالى- وغضبه ورضاه ومحبته؛ فليس رضاه كرضا المخلوق ولا محبته كمحبته ولا استوائه كاستوائه، وليست يد الرب كأيدي المخلوقين، ليست يد الرب كأيدي المخلوقين، فهذا هو الواجب، إثبات مع نفي التمثيل ونفي العلم بالكيفية.

والمعطلة، يقول العلماء: إن المعطلة جمعوا بين التعطيل والتشبيه؛ فشبهوا أولا حيث توهموا من صفات الرب ما يماثل صفات المخلوقين، وعطلوا ثانية حيث نفوها، وشبهوا ثالثا حيث شبهوا الله بالناقصات والجمادات والمعدومات والله -تعالى- أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما له

(1) - سورة الأعراف آية: 12.

(2) - سورة ص آية: 75.

(3) - سورة يس آية: 71.

(4) - سورة الزمر آية: 67.

(5) - سورة الزمر آية: 67.

(6) - سورة المائدة آية: 64.

(7) - سورة ص آية: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت