وجودًا حقيقيًا فإننا لا نفهم من هذه التسمية إلا التجسيم، فإن قالوا: لا يلزم التجسيم، بل نقول: إنه حي وقادر وعليم لكنه ليس بجسم، فنقول: نحن أيضًا نثبت لله تعالى الصفات كما أثبتها لنفسه ولا يقتضي هذا أن يكون الله سبحانه وتعالى كما يقولون أجزاءً وأبعاضًا يفتقر بعضها إلى بعض إلى آخر ما يذكرونه. وذكر الناظم لهذه المسألة بعد ذكره للصفات تدرج جميل منه فإنه ذكر إثبات الصفات لله ، ثم بعد ذلك بين شبهتهم وهي مسألة التجسيم؛ لأنه ذكر في البيت الذي قبله مسألة التجدد وحلول الحوادث، وتلك غالب ما تذكر في الصفات الفعلية، والتجسيم غالبًا ما يذكر في الصفات الذاتية، فلذا ذكر في البيت الأول الصفات الفعلية وشبهتهم فيها، ثم ذكر الصفات الذاتية وشبهتهم فيها، وخلاصة الأقوال في الأسماء والصفات أن المبتدعة منهم من أنكر الأسماء والصفات، ومنهم من أثبت الاسم ونفى الصفة، ومنهم من أثبت بعض الصفات التي دل عليها العقل وأنكر الباقي، فالذين لم يثبتوا الأسماء ولا الصفات هم الفلاسفة والباطنية وأشباههم، الذين لا يصفون الله بأي اسم ولا أي صفة، ينكرون الأسماء والصفات كلها، أما الذين يثبتون الأسماء فهم المعتزلة، يثبتون الأسماء دون الصفات، ويبقى الأشاعرة وهم يثبتون لله الصفات السبع التي دل عليها العقل عنهم، وينكرون ما بقي، وهؤلاء الرد عليهم أيسر لأننا نقول لهم لأنهم فيما أثبتوه: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فكما أثبتم لله تعالى حياة وكلامًا وبصرًا وسمعًا وقدرةً فكانت هذه الصفات عندكم لا تقتضي التجسيم، فكذلك القول في بقية الصفات أنها لا تقتضي التجسيم:
-إثبات العلو لله تعالى:
قال الناظم رحمه الله تعالى في إثبات صفة العلو:
قالوا فهل هو في الأماكن كلها؟ ... فأجبت: بل في العلْو مذهب أحمد
قوله: (في العلْو) سكّن اللام، وإلا فالأصل أن يقول في العلُو، ولكن سكن اللام ليستقيم وزن البيت، وأيضًا يقول: (بل في العلو مذهب أحمدِ) وهنا جعل علامة جر (أحمد) الكسرة، ومعلوم أن أحمد ممنوع من الصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، والأصل فيها أن يقول: (مذهب أحمدَ) ، لكن هذه منه لضرورة الشعر؛ لأن القافية على الدال المكسورة، وقد قال الحريري في منظومته:
وجائز في صنعة الشعر الصلف ... أن يصرف الشاعر ما لا ينصرف
فمن الضرورات الشعرية أن يصرف الشاعر الكلمات التي لا تنصرف حتى يستقيم البيت.