فهرس الكتاب
هذا في بيان أن شرك الأولين أخف من شرك المتأخرين؛ بأمرين:
الأمر الأول: أن الأولين إنَّمَا يشركون في وقت الرخاء والسعة. وهم في البرية إذا كان ليس عندهم شدة أشركوا ودعوا آلهتهم، فإذا أصابتهم شدة أو كربة كما إذا ركب أحدهم البحر وتلاطمت به الأمواج، أخلص العبادة لله، ونسي معبوداته.
قال الله تعالى {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (( (( } [1] أي: مخلصين له الدين والعبادة، وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (( (( } [2] .
إذا مسكم الضر في البحر ضلَّ من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإِنسان كفورًا. أما المشركون المتأخرون، فإنهم يشركون في الرخاء والشدة ولا يبالون، بل إنهم يزدادون لهجًا ولجوءًا إلى معبوداتهم، إذا تلاطمت بهم الأمواج قال: يا علي يا علي، يا حسين يا حسين، يا عبد القادر يا عبد القادر مدد مدد، يا بدوي، يا نفيسة .. وهكذا.
فصار المشركون المتأخرون يشركون في الرخاء وفي الشدة، بل إن بعضهم يزداد لهجًا في المعبود وتعلقًا به إذا نزلت به الشدة، أما الأوائل فلا، إذا نزلت بهم الكربة والشدة لا يعبدون إلا الله، ينسون معبوداتهم من دون الله، فإذا كان في البر ما عنده شدة ولا كربة دعاه من دون الله. هذا يدل على صحة عقله فيميز به بين الإله الذي يضر وينفع وبين الآلهة ++.
(1) - سورة العنكبوت آية: 65.
(2) - سورة الإسراء آية: 67.