فهرس الكتاب
المُشَفَّع، في المَحْشَر، فقال الله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (( (( } [1] .
فقل: لا أنكر تلك النصوص الصريحة، أنا لا أنكر شفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الشافع المشفع في المحشر - عليه الصلاة والسلام - وأرجو من الله شفاعته، لكن الشفاعة ملك لله - عز وجل - كما قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [2] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشفع يوم القيامة حتى يأذن الله له، لا يشفع لأحد حتى يأذن الله له كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [3] .
فالشفاعة العظمى التي هي المقام المحمود يوم القيامة، التي يغبطه عليه الأولون والآخرون، لا تكون إلا من بعد أن يأذن الله له، فإن الناس يعتريهم كرب وشدة عظيمة في موقف القيامة، وتدنو الشمس من الرءوس ويُزاد في حرارتها، ويموج الناس بعضهم في بعض كما ثبت في الحديث الصحيح: " فإذا اشتد الكرب في الناس ذهبوا إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك الملائكة، وعلَّمك كل شيء، اشْفَعْ لنا عند ربك حتى نستريح مما نحن فيه.
فيعتذر آدم - عليه السلام: إن ربي اليوم غضب غضبًا لم يغضب مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني أكلتُ من الشجرة، وإني نُهِيتُ عنها، نفسي نفسي. اذهبوا إلى غيري! اذهبوا إلى غيري! فاذهبوا إلى نوح - عليه السلام -؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
فيأتون نوحًا - عليه السلام - فيقولون: يا نوح! أنت أول رسول بعثك الله إلى أهل الأرض وسمَّاك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا عند ربك حتى نستريح من هذا الموقف، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى ما بلغنا؟
(1) - سورة الإسراء آية: 79.
(2) - سورة الزمر آية: 44.
(3) - سورة البقرة آية: 255.