هذه الخمس عِلم الساعة) إذن من جملة الغيب الذي استأثره الله -تعالى- في عمله عِلم الساعة أي متى يُبعث الناس من قبورهم؟ لا ندري، وإن كان النبي -عليه الصلاة والسلام- ثبت عنه في النص الصحيح أن يوم الجمعة هذا هو اليوم الذي تكون فيه الساعة، في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (خير يوم طَلُعَت عليه الشمس يوم الجمعة ذلك يوم خلق الله -تعالى- فيه آدم وأنزله الله -تعالى- من الجنة، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) ، فمحاولة التكهن بمعرفة هذا اليوم، هذا أمر لا سبيل لأحد إليه ومحاولة بعض المنجمين وبعض الفلكيين عن طريق الحسابات والأرقام معرفة هذا الأمر، هذا الأمر لا يصح ولا يمكن أن يكون، إذن: هذا هو قول المصنف: (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت) ، وهنا لفتة بسيطة قبل الانتقال إلى الجملة الثانية، وهو قوله: (وأن الله يبعث من يموت) ، لماذا لم يقل: وأن الله يبعث من في القبور؟ لأن القبور هي التي تحوي أجداث الناس، وعندما قال ربنا -عز وجل-: ?وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ ? [الحج: 7] ، قال ذلك باعتبار أن غالب الموتى إنما يُدفنون في القبور باعتبار الغالب، إذن: خرج هذا الخطاب مَخرج الغالب، وإلا فإن ناسًا ربما لا توجد قبور تحوي أجداثهم ولا تشمل رُفاتِهم، شأنهم في ذلك شأن الرجل في صحيح البخاري ومسلم وفي غيرهما، الذي أسرف على نفسه: (فقال لأولاده عندما اقترب موته: انظروا يومًا عاصفًا مطيرًا فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروا نصفي في الهواء ونصفي في الماء لئن قَدَرَ الله علي ليُعذبنّي عذابًا ما عذبه أحدًا من خلقه، فأمر الله -تعالى- البر فأخرج ما به وأمر البحر فأخرج ما به، فسأله ربه لِمَ صنعت ذلك؟ قال: خشيتك يا رب) ، فهذا الرجل لم يكن له قبر، وإنما ذُرِّيَ رماده في البحر كما ذُرِّيَ رماده في الهواء العاصف، فكل ذرة من ذراته انتقلت إلى مكان دون الآخر، ومع ذلك قَدَرَ الله -تعالى- عليه، وجمعه