الصفحة 8 من 188

ص 12

الكفر قد يكون بالقول والعمل، مع وجود النصوص الكثيرة الدالة على خلاف ذلك، وثبوت ما يخالف قوله عن علماء أهل السنة، ويستدل بهذا المصطلح الذي أطلقه بعض العلماء، دون نظر في مراد الأئمة به، ولا إلى كلامهم في القضية التي يتعلق بها ذلك المصطلح. ومثال ذلك ما يدعيه بعضهم من أن تحكيم القوانين الوضعية فيما يخالف الأحكام الشرعية من الكفر الذي لا يخرج من الملة، مستدلين بأنه من الكفر العملي، فلا يكون كفرًا ما لم يقيد بالاستحلال فلا يفرقون بين من شرع وبدل أحكام الله تعالى، وبين الحاكم أو القاضي المسلم الذي قد يحكم بما يخالف الشرع في مسألة جزئية.

وهؤلاء يلزمهم على هذه القاعدة ألا يكفروا من سب الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دينه، أو أهان مصحفه، أو سجد للصنم بمجرد فعله، وهي نفس اللوازم التي شنع بها أئمة أهل السنة على الجهمية والمرجئة، وبينوا فساد مذهبهم، من جهة العلم بفساد ما يلزمهم من ذلك.

والأوفق هنا لدرء هذه الفتنة الالتزام بتقسيم الكفر إلى ما هو أكبر وما هو أصغر، أو إلى كفر مخرج من الملة، و إلى كفر لا يخرج من الملة، ونحو ذلك من العبارات التي تتضمن الدلالة على أن الكفر قد يكون بالعمل، و أما إذا أطلق هذا المصطلح وأمكن أن يشكل على بعض الناس فلابد من بيان المراد به، ولهذا كان بعض العلماء يقيد مراده بذلك، أو يذكر في كلامه ما يدل على أن الكفر بالعمل لا يكون مقيدًا بالاعتقاد بإطلاق.

4 -تحرير مناط المسألة التي حكم فيها السلف، والحذر من الخطأ واللبس في ذلك، فأنت تجد - مثلًا - من يدعي أن السلف قد

ص 13

أجمعوا على أن الحكم بغير ما أنزل الله من الكفر الأصغر مطلقًا، ولا يفرق بين ما تكون المخالفة فيه بتبديل الشرائع، وما تكون المخالفة فيه بالحكم في قضية أو قضايا معينة، مع الالتزام بتحكيم الشريعة، وهو لا يعلم أن كلام العلماء الذي بنى عليه دعوى الإجماع مقيد بالحالة الثانية دون الأولى، ولذلك تجد العلماء الذين استشهد بقولهم على الإجماع المزعوم قد نصوا على التكفير بالتشريع وتحكيم القوانين الوضعية دون شرط الاستحلال. بل نص بعضهم على ثبوت الإجماع في التكفير بالتشريع وتبديل الأحكام الشرعية فعلم أن ما ادعاه هؤلاء من الإجماع خطأ محض، إن لم يكن من الافتراء والتلبيس على أئمة أهل السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت