الصفحة 9 من 188

5 -الفهم لأصول المخالفين، وفهم ما تقتضيه تلك الأصول من البدع المناقضة لأصول أهل السنة، والجزم بأنه لا يمكن التوفيق بين أصول أهل السنة وأصول مخالفيهم بأي حال.

فإذا قال السلف - مثلًا - إن الإيمان يزيد وينقص، وكان ذلك شعارًا يميزهم عن غيرهم، فإنه لا يمكن التوفيق بين هذا الأصل وقول من يقول إن الإيمان مرتبة واحدة، لأن هذا يقتضي بالضرورة عدم قبوله للزيادة والنقصان. لأنه إذا كان مرتبة واحدة فإما أن يثبت كله وإما أن ينتفي كله، و أما أن يذهب بعضه ويبقى بعضه مع كونه مرتبة واحدة فغير ممكن، ولهذا فإن جميع المخالفين لأهل السنة يعيبون عليهم القول بالزيادة والنقصان في الإيمان، ويسمونهم"النقصانية"على جهة الذم لهم، ولم يعلموا أن أهل السنة إنما يقولون بالزيادة والنقصان في الإيمان بناء على قولهم بأن للإيمان أصلًا وكمالًا، و أن انتفاء كمال الإيمان لا يستلزم انتفاء أصله، و أما هؤلاء فليس للإيمان عندهم إلا مرتبة واحدة، فلا يمكنهم أن يقولوا بالزيادة والنقصان فيه.

ص 14

وأساس ذلك أن الكفر نقيض الإيمان، فلا يمكن اجتماع شعبة من شعب الإيمان مع ما ينافيها من شعب الكفر، وشعب الإيمان عند أهل السنة ليست على مرتبة واحدة، لأن بعضها مشروط في أصل الإيمان، بحيث يمكن أن تنتفي مع بقاء أصل الإيمان. فيمكن على هذا أن تجتمع في شخص واحد بعض شعب الكفر وبعض شعب الإيمان، لكن إذا كان للإيمان حقيقة واحدة كما هو عند جميع المخالفين لأهل السنة في الإيمان فإنه لا يمكن تصور ما ينافيها من شعب الكفر إلا مع انتفاء الإيمان بالكلية، لأن الكفر سيكون حقيقة واحدة أيضًا، ولن يكون فيه كفر دون كفر، فكل شعبة من شعب الكفر لابد أن تنافي الإيمان بالكلية.

وليس المقصود هنا استيفاء الكلام في هذه المسائل، وإنما المقصود ذكر أمثلة تبين التلازم بين أصول أهل السنة في الإيمان وما يترتب على تلك الأصول من مسائل، و أن الخطأ في المنهج ومخالفة أصول أهل السنة يقتضي المخالفة في بعض المسائل، كما أن المخالفة في بعض المسائل إنما يكون نتيجة لعدم الالتزام بمقتضى تلك القواعد و الأصول. و أما التفصيل بذكر الأدلة في كل ذلك، وبيان وجه دلالتها، والرد على شبهات من خالف فيها، والنقل عن علماء أهل السنة فله مقام آخر.

وختامًا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، و أن يجعله من العلم النافع الذي لا ينقطع أجره. والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت