فهرس الكتاب
فإذا كان هذا قد دخل النار من أجل أنه قرّب ذبابًا لهذه الأصنام من دون الله عز وجل، فكيف بمن يذبح ما غلا ثمنه من بهيمة الأنعام تقربًا لأي مخلوق من دون الله عز وجل؟
الرابع عشر: النذر:
بعد بيان ما يصنعه بعض الناس في عبادة النحر، كان لزامًا أن أتحدث عن عبادة مقاربة لها ولها صلة بالنحر، وضل في مفهومها وسبيلها أيضًا طائفة من المسلمين، وتعد بابًا إما إلى أبواب الخير أو إلى الشرك -والعياذ بالله- تلك هي عبادة النذر.
والنذر: هو إلزام المكلف نفسه لله شيئًا غير واجب عليه عند حصوله على ما يتمناه ويطلبه من ربه، مثل أن يقول: عليّ نذر لله إن حصل كذا وكذا، أو سأفعل كذا وكذا بما يرضي الله عز وجل.
والنذر من العبادات التي امتدح الله عز وجل الموفين بها، وكذلك أمر نبيُّه محمد صلى الله عليه وسلم بالوفاء من ألزم بها نفسه.
قال تعالى: (( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) ) [الإنسان:7] .
قال السيد محمد الحسيني الشيرازي:
أي كانوا في الدنيا بحيث إذا نذروا وفّوا به ولم يخشوا، والنذر هو أن يلزم الإنسان على نفسه خيرًا لأجله سبحانه، كأن ينذر الصيام والصدقة أو ما أشبهه (226) .
واعلم رحمك الله أن النذر عبادة (227) ، كالصلاة والتوسل وغيرها من العبادات التي لا يجوز صرفها إلا لله وحده، ومن صرفها لغير الله فقد أشرك وكفر.
واعلم وفقني الله وإياك أن الأصل في عقد النذر ابتداء أنه مكروه؛ لأنه إلزام لنفس الإنسان مما جعله الله في حلٍّ منه، وفى ذلك زيادة تكليف على نفسه.
ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم بعد عقد النذر أو عند الوفاء، وتجده يسأل في كيفية الخلاص مما نذر به لثقله ومشقته عليه، ولا سيما مع ما يفعله بعض الناس إذا مرض، أو تأخرت عنه حاجة يريدها، نسمعه ينذر، وكأن لسان حاله وباطنه يقول: إن الله لن ينعم عليه بجلب الخير أو دفع الضرر عنه إلا إذا أعطاه مقابله كذا وكذا، وهذا سوء ظن بالله عز وجل.