والحركات شيئًا بعد شيء. وليس في ذلك إلا وصفه بدوام الفعل لا بأن معه مفعولًا من المفعولات بعينه.
وإن قدر أنه نوعها لم يزل معه فهذه المعية لم ينفها شرع ولا عقل، بل هي من كماله، قال تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) والخلق لا يزالون معه، وليس في كونهم لا يزالون معه في المستقبل ما ينافي كماله، وبين الأزل في المستقبل مع أنه في الماضي حدث بعد أن لم يكن إذ كان كل مخلوق فله ابتداء، ولا نجزم أن يكون له انتهاء. وهذا فرق في أعيان المخلوقات، وهو فرق صحيح لكن يشتبه على كثير من الناس النوع بالعين، كما اشتبه ذلك على كثير من الناس في الكلام فلم يفرقوا بين كون كلامه قديمًا بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وبين كون الكلام المعين قديمًا، وكذلك لم يفرقوا بين كون الفعل المعين (1) المعين قديمًا كالفلك محدث مخلوق مسبوق بالعدم، وكذلك كل ما سواه. وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة والآثار وهو الذي تدل عليه المعقولات الصريحة الخالصة من الشبه كما قد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع، وبينا مطابقة العقل الصريح للنقل الصحيح.
وإن من غلط أهل الفلسفة والكلام أو غيرهم فإنما هو لغلط فيهما أو في أحدهما، وإلا فالقول الصدق المعلوم بعقل أو سمع يصدق بعضه بعضًا لا يكذب بعضه بعضًا قال تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) بعد قوله: (ومن أظلم ممن افترى على اله كذبًا أو كذب بالحق لما جاءه) وإنما مدح من جاء بالصدق وصدق بالحق الذي جاءه. وهذه حال من لم يقبل إلا الصدق ولم يرد ما يجيئه به غيره من الصدق، بل قبله ولم يعارض بينهما ولم يدفع أحدهما
(1) بياض في الأصل ولعله (قديمًا والشيء المعين)