فهرس الكتاب
لقد رفض النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرجال الذين بنوا أنفسهم على الجهاد والعبادة أن يستريحوا ساعة باسم هذا القدر. فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن رسول الله طرقه وفاطمة ليلًا فقال:"ألا تصليان؟"، فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قلت ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئًا لشدة استغرابه - ثم سمعته يقول - وهو مول يضرب فخذه بيده -: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) . إن هذه الكلمة من أبي الحسن ردت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعجب كيف قيلت. ولئن تمشت مع طبيعة الإنسان في الجدل، إنها ليست من طبيعة رجل كعلي له في دين الله مكانته . ولعلها أثر الجهاد والكلال الذي يصيب المرء بعد ما يأوي إلى فراشه، فتأتي أحكامه دون ما ينتظر منه. وقد روى بعضهم قصة آدم مع موسى دليلًا على جواز الاعتذار بالقدر، وهي كما رواها أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا أخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه خط لك التوراة بيده ، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عامًا ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فحج آدم موسى". وهذا الحديث لا يدل على شيء قط مما يفكر فيه المعتذرون بالقدر، فالحديث ورواياته الأخرى، يشير إلى أن موسى كان يريد تحميل آدم متاعب الإنسانية كلها، ويرجع شقاء أبنائه جميعًا إلى أكلته المشئومة من الشجرة. وقد دافع آدم عن نفسه بصدق.. فإن وجود الحياة البشرية لم يكن نتيجة طبيعية ولا عقلية لذنب آدم . ص _120"