الصفحة 103 من 229

أما أنه مصدر ما وقعت فيه البشرية كلها من عناء؟ فهذا ما أنكره ـ وهو محق ـ وجعله من شؤون القدر الأعلى؟ واقتنع بذلك موسى كما رأيت. ومن السخف أن نخطئ نحن ثم نسوق كلمة آدم عذرًا لنا على خطئنا. إن الصورة التي يرسمها الجبريون للعالم لا ترمز إلا إلى الفوضى المطلقة والخلط الشائن. ولما كان البشرـ في نظرهم ـ يقومون ـ بأدوار لا خيرة لهم فيها، فهم لا يفرقون بين بر وفاجر. وإنك لتسمع في كلام بعض الصوفية ممن يدينون بهذا المذهب الباطل، تسوية بين آدم وإبليس، وبين موسى وفرعون، إذ الكل ـ في نظرهم ـ مدفوع إلى عمل ما قدر عليه أزلًا. وليست الحياة إلا رواية يقوم أفرادها بما فرض عليهم من مواقف، وينطقون بما لقنوا من كلمات . هذي الحياة راوية لممثل الليل ستر والنهار الملعب وإنك لو نقبت لرأيت هذه الصورة مرتسمة في أذهان الكثيرين، بعضهم يعلنها مصارحًا، وبعضهم يطويها مستحييًا، وإن كان يدين بها. وانهيار الدولة الإسلامية راجع إلى فشو هذه الضلالة بين الناس فشوًا جعل المنكر ينتشر بلا نكير، وجعل الواجبات تهمل بلا نصيح. وأساس الإصلاح يعتمد أول ما يعتمد على تصحيح الفهم في عقيدة القضاء والقدر، حتى تعود كما كانت: الدافع الأعظم في التضحية والفداء والوازع الأول على ترك الشر وفعل الخير؟ قيامًا بواجب الإنسان نحو نفسه، وتنفيذًا لأوامر الله جل شأنه. أما الآيات والأحاديث التي وردت توهم بظاهرها أن الإرادة الإنسانية غير حرة، فليست كما يظن الواهمون . ص _122

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت