فهرس الكتاب
إن هذا الفهم العجيب نضجت به العقول المعوجة، ولم توح به نصوص الدين، إذ قال الله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) . فليس إنذارهم وعدمه سواء؛ لأن نفوسهم صيغت بحيث لا تقبل الحق من تلقاء ذاتها، فهي أوعية للكفر برغم أنوفها، كلا. وإنما القصد صرف همة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قوم طالما دعاهم، وبذل جهوده لإنقاذهم من غوايتهم، فأصروا على تنكب الصراط المستقيم بمحض اختيارهم. وقوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) لا يعني أكثر من مواساة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما مات عمه أبو طالب كافرًا، وكان شديد الحرص على إيمانه. بيد أن الرجل إلى آخر لحظة من حياته آثر الوثنية على التوحيد مع طول مناشدة الرسول إياه أن يؤمن بالله ويدخل في دينه. وقوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها) . معناه أن الأغبياء الشاردين عن الحق يرشحون أنفسهم لجهنم بغبائهم ويضرونهم، فجاء التعبير عنهم متمشيًا مع أسلوب اللغة في الأداء البليغ. فمثلًا: يقول الأستاذ لتلامذته في الدرس ـ مهددًا الكسالى ـ: إن السقوط يتخير ضحاياه من كل بليد يتلاعب بالدروس ويتناسى الامتحان. وهذا الكلام لا يساق ليراد به ظاهره أبدًا. ص _123