فهرس الكتاب
والآية التي استشهد بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تدل أوضح دلالة على ذلك. فإن من تعلق بأسباب الخير ـ من عطاء وتقوى وتصديق ـ أكمل الله غايته ويسره للحسنى. ومن تعلق بأسباب البشر ـ من بخل وفجور وتكذيب ـ أتم له قصده وأملى له في غيه، ويسره للعسرى . وإليك حديثًا آخر طالما أرجف به الجهلة، يحسبون أنهم سوف ينقضون به دين الله من القواعد؟ ودين الله أقوى مما يظنون، وأعلى مما يبصرون . فقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"والذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه أهل الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". وهذا الحديث إنما يصف لنا صنفين من الناس، خواتيم أعمالهم تغاير مسالكهم الأولى مغايرة تامة . وذلك ليس غريبًا فيما تحت حسنا من أحوال الناس. فرب فاسق ظل أكثر عمره مريض الاعتقاد، سيء الخليقة، ثم أبصر آخر الأمر عواقب غيه فاهتدى. ورب صالح ظل يعكف على الخيرات ثم غرته الدنيا فوقع في شراكها وهوى. ولو أن أحدًا اطلع الغيب، ثم قارن بين ما يراه في أحوال هذين في مطالع حياتهما، وما سطر في الكتاب من خواتيم أعمارهما، لعجب وطال استغرابه . غير أن هذه المصاير المتناقضة لم يكن للقدر السابق أثر جبري في خطها على هذا النحو. ص _12 ص