فهرس الكتاب
وكم في أوضاع الحياة من تفاوت يرجع أمره إلى القدر الأعلى. هذا التفاوت بما ينطوي عليه من تفاضل، هو من دعائم العمران ونظام الوجود. فمن المستحيل أن يخلق الناس متساوين في كفاياتهم المادية، أو أوضاعهم الاجتماعية والسياسية، أو أجزيتهم الدنيوية والأخروية. والوظائف التي يقوم بها الحياة تحتاج إلى رؤوس وأذرعة وأقدام، وهمم الناس تقسم على هذه الأنحاء ليؤدي الاجتماع البشري رسالته متناسقة متكاملة. وإنما يقع العيب في أعمال الناس إذا وضعوا رأسًا موضع قدم، وقدمًا موضع رأس! والأمة التي تصنع ذلك تشبه الأحمق الذي يضع طربوشه في رجله، وحذاءه على دماغه. وما أكثر هذه الأمم في الشرق المحتل المختل. لندع هذه الآن فلسنا بصدد إصلاح اجتماعي، ولكننا نريد لفت النظر إلى أن الأقدار قد توزع الأعمال والأعباء على الناس،؟ يوزع القائد جنوده في المعركة، فيكون حظ بعضهم الوقوف في صفوف القتال الأمامية لتلقي الضربة الأولى، بينما يكون حظ الآخرين نقل المؤن وكتابة الرسائل في مؤخرة الجبهة، وكلا العملين ضروري في الميدان. على أن هذا التفاوت لا يضير قاعدة العدل في الجزاء، ولا يعني ألبتة أن القدر يبخس حقًّا، أو يجهل وضعًا. فلكل امرئ عند الله حسابه الخاص به. وفي دائرة ما زود الإنسان به من قوى، وأتيح له من فرص، وأحيط به من ظروف؛ يكون تقدير ثوابه وعقابه. ص _132